نابلس: سيدة الجبلين التي ترفض الغياب
بين ذراعي "عيبال" و"جرزيم"، تتربع مدينة نابلس كقصيدة عربية قديمة كُتبت بماء الورد وزيت الزيتون، ليست مجرد إحداثيات جغرافية على خارطة الضفة الغربية، بل هي "دمشق الصغرى" التي استعارت من شقيقتها الكبرى ياسمينها، وعمّدته بصلابة الصخر النابلسي هنا، حيث يختلط دخان المصانع القديمة بعبق الكنافة الساخنة، تسرد المدينة حكاية صمود تمتد لآلاف السنين، منذ أن وضع الكنعانيون حجر الأساس لـ "شكيم"، وصولاً إلى "نيابوليس" الرومانية، وحتى يومنا هذا.
قلب المدينة: المتاهة التي لا تضيع فيها
إذا أردت أن تفهم نابلس، عليك أن تغوص في "البلدة القديمة" هي ليست حارة ضيقة فحسب، بل هي كائن حي يتنفس، بمجرد عبورك لبوابة "خان التجار"، تجد نفسك في رحلة عبر الزمن؛ فالعمارة المملوكية والعثمانية تتداخل في مشهد بصري مهيب، حيث القناطر العالية والبيوت التي تتشارك الجدران والذكريات.
يقول الحاج أبو محمد، وهو صاحب عطارة قديمة في سوق "الحدادين": «نابلس ليست حجارة، هي رائحة،رائحة الصابون النابلسي وهو يغلي في "المصابن" الكبيرة، ورائحة التوابل التي تأتي من الشرق، ورائحة الخبز الذي يخرج من أفران الحطب». وتعتبر "المصابن" من أقدم المعالم الاقتصادية والثقافية في المدينة، حيث كان صابون زيت الزيتون النابلسي يُصدر إلى أقاصي المعمورة، حاملاً معه اسم المدينة كعلامة للجودة والنقاء، وهو إرث تقاوم فيه العائلات النابلسية العريقة الاندثار التكنولوجي بالتمسك بالصنعة اليدوية.
عاصمة الاقتصاد والحلويات: كيمياء السكر والزيت
لا يكتمل الحديث عن نابلس دون المرور بمملكة "الكنافة" هي ليست مجرد حلوى، بل هي طقس اجتماعي وهوية وطنية تجذب الزوار من كل فج عميق، في "دخلة" صغيرة وسط المدينة، يتجمع المئات حول صينية الكنافة الكبيرة، حيث تذوب الجبنة النابلسية البيضاء تحت طبقة من العجين الذهبي والقطر الساخن،هذا المشهد هو الرمز الأسمى للكرم النابلسي، حيث تُحل الخلافات وتُعقد الصفقات وتُحتفل بالانتصارات فوق أطباق الفخار المليئة بالذهب النابلسي.
اقتصادياً، تظل نابلس الرئة التي تتنفس منها فلسطين فمن المصانع الحديثة في المنطقة الصناعية، إلى الورش الحرفية الصغيرة، تُثبت المدينة قدرتها على التكيف رغم الحصار والمعوقات هي مدينة "التجار الشطار" الذين استطاعوا تحويل التحديات السياسية إلى فرص للبقاء، فبينما تُغلق الحواجز، تبتكر نابلس طرقاً بديلة لتصدير بضاعتها وفكرها، مؤكدة أن "جبل النار" لا يحترق، بل يضيء الدرب لمن حوله.
جرزيم: جبل البركة والتعايش الفريد
على قمة جبل جرزيم، يعيش السامريون، وهم أصغر طائفة دينية في العالم وجودهم في نابلس يضفي مسحة من التنوع الثقافي والتاريخي النادر السامريون، بملابسهم التقليدية ولغتهم العبرية القديمة، يعتبرون أنفسهم الحراس الحقيقيين للتوراة، ويعيشون في انسجام تام مع جيرانهم المسلمين والمسيحيين، هذا المشهد، حيث تُسمع أجراس الكنائس وتكبيرات المآذن وصيحات الصلاة السامرية في آن واحد، يجعل من نابلس نموذجاً فريداً للتعايش الذي لم تخدشه تقلبات السياسة الدولية، بل صهرته الجيرة الطويلة في بوتقة "النابلسية" الجامعة.
تحديات الصمود: المدينة التي لا تنام على ضيم
لم تكن حياة نابلس يوماً وردية بالكامل؛ فالمدينة دفعت أثماناً باهظة لموقعها الاستراتيجي وروحها الثائرة، من حصار الانتفاضتين إلى الاقتحامات اليومية، تحولت أزقة البلدة القديمة مثل "الياسمينة" و"القريون" إلى ساحات للملحمة الوطنية. تتحدث أم أحمد، وهي سيدة عاصرت الكثير من الأزمات: «في نابلس، نصلح النوافذ المكسورة في الصباح، ونخبز الكعك في المساء، نحن قوم لا نعرف اليأس، لأن الجبلين يحرسان أحلامنا».
هذا الإصرار على الحياة هو ما يمنح نابلس هيبتها؛ فالمقاهي تظل ممتلئة حتى في أحلك الظروف، وجامعة النجاح الوطنية تواصل تخريج آلاف العقول التي تقود الفكر والعلم، معلنةً أن سلاح المعرفة لا يقل شأناً عن صلابة الموقف، إنها المدينة التي تغسل تعبها بصابونها الشهير، وتُحلي مرارة أيامها بكنافتها الأسطورية، وتنام قريرة العين تحت حماية تاريخها الممتد، واثقة بأنها المبتدأ والخبر في السيرة الفلسطينية، وجذورها الضاربة في الأرض أعمق من كل العواصف التي مرت بها، لتبقى نابلس دائماً وجهة القلب وعاصمة الصمود.