تحديثات الأخبار

 

        قبل الرماء تراش السهام، وتعمر الكنائن، وهذا من تمام الاستعداد، وكمال الأخذ بالأسباب، للنجاح في الوصول إلى الأهداف. ويمتاز طالب الثانويّة العامّة بحرصه الشديد، واهتمامه البالغ في الوصول إلى أدقِّ تفاصيل المحتوى التعليميّ، الذي سيمتحن به في نهاية العام الدراسيّ، على أمل تحقيق أعلى الدرجات الرقميّة لمعرفته في الأعمّ الأغلب، علماً أنّه  طالب علمٍ  ينبغي عليه في الدرجة الأولى أن ينحو إلى الفرحة في استكشاف المعلومة، وتوظيفها، وتذوّقها، وصولا إلى نشوة تحصيل العلم الناضج، والمعرفة السابغة، التي تؤسّس لشخصيّة متوازنة حضوراً ومعرفة وثقافة، راسخة في العلم ببصمة واضحة، وأثر طيّب.

 

       فنرى الطالب لا يكتفي بما يقدّمه المعلّم له داخل الغرفة الصفيّة في مدرسته من قراءة، أو شرح، أو تحليل لنصوص الكتاب وموضوعاته. وكذلك لا يقف عند حدود ما جاء في الكتاب المدرسيّ من أسئلة مرافقة_ هي في الأصل المطلوب الأوّل لاختبار معرفته_ أو القياس عليها بأسئلة مشابهة، أو بتغيير بسيط في صيغتها. بل إنّه قد يتجاوز الكفايات المتوقع تحقيقها في خطّة المرحلة الثانويّة التي يدرس فيها، والتي في الغالب تنسجم مع مستويات المعرفة التي يجب أن يمتلكها الطالب في مستوى عمره. ولا مثلبة في هذا الحرص والاهتمام والتوسّع، إنّما يحمد  عليه، ويثمّن له اجتهاده واهتمامه. 

 

       فتجده في دراسته موزّعاً على ثلاثة صفات: فمنهم حاطب الليل يجمع الغثّ والسمين، يجمع دون أيّ اختيار لأجود أو أحكم، فيلملم من هنا محتوى، ومن هناك محتويات أخر، من دوسيّات وملازم إثرائيّة، وأسئلة متوقعة وغير متوقعة أحياناً, وهي في الأعمّ الأغلب متشابهة، أو منسوخة عن بعضها في مضامينها، وأسلوب معالجتها. وهو يكدّسها ويجمّع دون تدقيق، أو اطلاع على المحتوى الذي يتناوله صاحب الدوسيّة التي ينشرها، فيشتريها جميعها بأثمان متفاوتة، على أمل الإحاطة بكلّ الأسئلة التي يمكن أن تطرح على المحتوى من قريب أو بعيد، فيثقل على نفسه وأسرته بأثمانها، و يضيّق على مكتبته وطاولته بحيّزها.

 

        ومنهم مستبدل بالأدنى، يجد ضالّته في واحدة منها يعتمدها عوضاً عن الكتاب، الذي يبقي صفحاته جديدة  خالية من التنقيط أو التحديد أو رصد الملحوظات المباشرة في هوامشه القريبة من النصّ،  بل لا يكتب أيّ ملحوظة في دفتره، كأنّي به  مرتبط بعهود ردّ الكتاب كما اشتراه؛ فهو مكتفٍ بما حملته الدوسيّة من اجتهاد مقصور على صاحبها.

        أمّا الثالث منهم فهو ينال من البرّ في الكتاب أحسنه، متبصّر في أموره كلّها، يعرف من أين تؤكل الكتف في دراسته. ويختار لنفسه الخطوة  في موضعها، فلا يعتلي زلقاً في دراسته. يجعل من الكتاب مرجعه الأول، ومسنده الأمثل، وأنّه ليس من شاردة ولا واردة إلّا هو فيه جدّ عليم، يقصد منهل معلّمه في المدرسة، يقيّد ويكتب ويحصي للمعلّم أنفاس الشرح الدقيق في الحصّة، ويوثّق ما يحتاج إلى توثيق، ويتأمّل بما يحتاج إلى تفكّر، يناقش ويحاور في صفّه، ويتأمل ويتخيّل في تعبيره، ويسرع إلى كلّ معلومة مفيدة، أو فكرة لسؤال جديد، يتشبّع من أسلوب المعلّم المطّلع المتمكّن من محتوى ما يدرّسه، ويستقي سائغ العلم برويّة وهدوء، لا يغفل التحضير والاطلاع المسبق، ولا ينسى أسئلته التي لم يستوعبها وحده، ليناقشها مع معلمه، وزملائه، ويداوم القراءة والاطّلاع على كلّ قاعدة، أو نصّ مكين مفيد، متعاون يفتح أمام معلّمه فسحة التأمّل بما يقدمه لطلبته؛ ليرى أثر التعلّم، وسير التخطيط نحو الأهداف المرجوّة، وتثبيت المعلومة وتطويرها، والبناء عليها. 

 

         وفي هذا الحديث لا نقلّل من جهد المجدّين، ولا ننتقص من حقّ المبدعين،  الذين أخلصوا نيّة العمل، فجمعوا جهدهم الخاصّ في شرح دروسهم، وأوراق عملهم في ملزمة واحدة. بل فيه تثمين لجهود المخلصين المنتمين الذين يقفون عند حدود مسؤوليّة البحث والاجتهاد، يوثّقون كلّ اقتباس، أو إثراء ينسجم مع كفايات الكتاب المدرسيّ المرجع الأوّل للطالب، ومظلّة اجتهادهم فلا يشتتونه، ولا يتقاوون عليه بمعلومة، ولا يكرّرون غيرهم فيما ذهبوا إليه في الشرح والعرض والتوضيح، بل لديهم الأصالة في كلّ ما يقدّمون لطلبتهم.

 

           والطالب لا يتعلّم إلّا إذا نظّم وعيه بمتطلبات دراسته، وأدرك آليّة استخدام أدوات الدراسة بنجاح، فلا يقدّم على كتابه المدرسيّ شيئاً، فهو منهاج محكم محكّم، يمثل هويّة وتجذّراً، وتطلّعاً وأملاً، وبناء لوعي، وترسيخاً لثقافة، أمّا الدوسيّات المنتشرة ما هي إلّا أدوات مساعدة للدعم والتوضيح وتثبيت المعلومة، لا ضير من توظيف واحدة منها، والاستعانة بها، إن احتاج الطالب إليها، لكن لا نميل إليها كلّ الميل؛ لأنّها تظلّ محض اجتهاد لمعلّم.  

 المشرف التربوي نائل طحيمر

فلسطين

الأربعاء: 23/4/2026م