جرائم ضد النساء... أصوات تُخنق وعدالة غائبة
في زمن تكثر فيه الشعارات عن حماية المرأة وتتصاعد فيه الخطابات الرنانة حول العدالة والمساواة، تتكشف الحقيقة المؤلمة: النساء لا يقتلهن العنف المسلح وحده، بل قد يصرعهن المجتمع والعائلة والقوانين التي تغفو حين تصرخ الضحية طلباً للنجاة.
نساء في مواجهة الموت
تتزايد قضايا القتل والعنف ضد النساء يوماً بعد يوم، لتكشف عن واقع مرير تُقصى فيه المرأة ويُحجب صوتها، وكأن تغييب نصف المجتمع أمر عادي لا يستحق المواجهة. ملايين النساء حول العالم يتعرضن سنوياً للعنف الأسري والمجتمعي، ورغم أن القيم الإنسانية والديانات كافة تؤكد أن حقوق المرأة كحقوق الرجل، إلا أن الواقع يعكس صورة معاكسة تماماً.
المرأة التي كانت أماً وزوجةً وابنة، والتي أنقذت أرواحاً، وصنعت أجيالاً، وزرعت الأمل في قلوب منهكة، وعالجت المرضى، وقدمت للوطن قادة وشهداء وأسرى؛ كثير منهن رحلن بصمت قاسٍ ودم بارد، فقط لأنهن ناجحات، أو لأنهن رفضن الخضوع لغير الحق، أو لأنهن تمسكن بالكرامة في عالم تغزوه الصراعات.
القصص لا تنتهي: نساء يُعنفن، يُقتلن، ثم تُطوى ملفاتهن وكأن شيئاً لم يكن. في حالات أخرى، تُغلق القضايا تحت غطاء التستر والتبرير، وتشير إحصاءات دولية إلى أن ما يقارب 50 ألف امرأة تُقتل سنوياً بسبب العنف الاجتماعي، فيما تكشف تقارير أممية أن 736 مليون امرأة حول العالم تعرضن لشكل من أشكال العنف الجسدي أو النفسي أو الجنسي. أرقام صادمة تعكس أن هناك مئات الآلاف من النساء اللواتي يعانين بصمت يومياً.
حكايات قتل تُسجَّل ضد مجهول
الدكتورة بان بن زياد، شابة لامعة في مجال الطب النفسي وصوت مؤثر عبر مواقع التواصل الاجتماعي في العراق، رحلت في صباح يوم اعتيادي من أغسطس 2025 وسط صدمة كبيرة. وُجدت جثتها داخل منزلها تحمل آثار ضرب وجروح واضحة، وكأنها قاومت المعتدي حتى اللحظة الأخيرة. ورغم وضوح الدلائل، أُغلقت القضية بكلمة واحدة: "انتحرت"، بينما الشارع العراقي قالها بوضوح: "قتلت وخُنق صوتها وصوت الحق".
قصة بان لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة. ففي فلسطين عام 2019، صُدمت المجتمعات العربية بجريمة قتل إسراء غريب، الفتاة العشرينية التي نشرت صورة عفوية مع خطيبها، لتتحول اللحظة البسيطة إلى سببٍ لغضب عائلتها، بعد أيام، فارقت الحياة إثر ضرب مبرح أدى إلى قصور تنفسي، بحسب تقرير الطب الشرعي، القضية أشعلت مواقع التواصل تحت وسم #كلنا_إسراء، وخرجت نساء في عدة مدن احتجاجًا، لكن العدالة لم تتحقق كما ينبغي، إذ أُفرج عن المتهمين بكفالة.
وفي مصر، يونيو 2022، قُتلت نيرة أشرف، الطالبة في جامعة المنصورة، أمام العشرات بعدما رفضت شابًا تقدم لخطبتها، طعنها بسكين على الملأ فقط لأنها قالت "لا". فاعترف القاتل بجريمته ونُفذ فيه حكم الإعدام، ولكن السؤال "لماذا تُقتل النساء لمجرد رفضهن؟" ظل عالقًا.
جرائم تتكرر بلا ردع
أما في إيران، فقد شهدت الشوارع واحدة من أبشع الجرائم بحق فاطمة سلطاني، البالغة 18 عامًا، التي قتلها والدها طعنًا حتى حاول فصل رأسها عن جسدها، مبررًا جريمته بأنها "انفصلت عن العائلة". ورغم القبض عليه وسجنه، فإن سؤال العدالة ظل حاضرًا: هل يكفي سجنه بينما ابنته وُوريت الثرى بيديه؟
الصدمة لم تتوقف هنا؛ فالبطلة الرياضية هانية بهبودي، صاحبة الميدالية الذهبية في شد الذراع، والأم لطفلة صغيرة، قُتلت على يد زوجها بعد ضرب مبرح أعقبه تمثيل بجثتها ليدّعي أنها "انتحرت". لتتحول قصتها إلى شعار مؤلم في إيران: "جُسد المرأة يُقتل لأنها نجحت".
هذه الحكايات ليست أحداثًا فردية معزولة، بل سلسلة متكررة من العنف الممنهج ضد النساء، يُبرَّر دائمًا بجملة واحدة: "قتلت لأنها امرأة". خلف كل جريمة تُدفن أحلام لم تولد، وأم أو أخت أو ابنة لن تعود.
جرائم مؤجلة
لقد آن الأوان لندرك أن ما يجري ليس نزاعًا عائليًا، بل جريمة ضد الإنسانية، يغذّيها مجتمع يُشرعن الظلم ويُخفي الحقيقة خلف مسميات واهية. لا يكفي أن نغضب ليومين ونشعل مواقع التواصل ثم نصمت. المعركة أكبر من "رأي عام"، إنها معركة حياة وعدالة وكرامة، فالرجولة ليست قهرًا للمرأة، بل حماية لها، ومع أن الطريق طويل، فإن كسر حاجز الصمت هو البداية الوحيدة الممكنة.