بيت ساحور… مدينة تحرس الذاكرة وتكتب حضورها في التاريخ الفلسطيني
بقلم هديل زيادة - بيت ساحور
بيت ساحور مدينة فلسطينية تقع إلى الجنوب الشرقي من مدينة بيت لحم، وتُعدّ واحدة من المدن التي تختزن في جغرافيتها وتاريخها مزيجاً متفرّداً من البعد الديني، والعمق الحضاري، والدور الوطني المتجذّر،فمنذ آلاف السنين، شكّلت المدينة نقطة التقاء للحضارات والثقافات المتعاقبة، ولا تزال حتى اليوم تحافظ على مكانتها بوصفها شاهدة حيّة على التاريخ الإنساني والروحي لفلسطين.
وتتميّز مدينة بيت ساحور بموقعها الجغرافي الحيوي الذي يربطها بمدينة بيت لحم والقدس وبرية فلسطين الشرقية، وهو ما أكسبها أهمية استراتيجية واقتصادية عبر العصور، وأسهم في بلورة هويتها العمرانية والاجتماعية، وقد انعكس هذا الموقع في نمط حياة سكانها، وفي طابع عمرانها الذي يجمع بين البساطة والرسوخ، ويعكس حالة من الانسجام بين الإنسان والمكان.
جذور تاريخية ضاربة في القدم
تشير المصادر التاريخية والأثرية إلى أن بيت ساحور مدينة مأهولة منذ العصور الكنعانية، وتعاقبت عليها الحضارات الرومانية والبيزنطية والإسلامية، وكل منها ترك بصماته الواضحة في معالمها وشواهدها العمرانية، ويُرجّح أن اسم المدينة ارتبط بمفهوم السهر والحراسة، في دلالة رمزية على دورها التاريخي والديني، ومكانتها كمدينة حاضرة في الذاكرة الروحية للمنطقة.
وإلى جانب بعدها التاريخي والديني، عُرفت بيت ساحور بدورها الزراعي، إذ اشتهرت منذ عقود بزراعة الفقوس الساحوري، الذي ارتبط باسم المدينة وأصبح علامة مميّزة لهويتها الزراعية. وقد شكّلت الزراعة، ولا سيما زراعة الخضروات الموسمية، ركيزة أساسية في الاقتصاد المحلي، وأسهمت في ترسيخ علاقة الأهالي بأرضهم ، باعتبارها مصدراً للعيش وركناً من أركان الصمود.
وتحظى بيت ساحور بمكانة خاصة في التراث المسيحي العالمي، إذ تُعرف بأنها موقع بشارة الرعاة بميلاد السيد المسيح، وهو الحدث الذي منح المدينة بعداً روحياً فريداً، وجعلها مقصداً للحجاج والزوار من مختلف أنحاء العالم، وأسهم في ترسيخ حضورها على خارطة السياحة الدينية الدولية.
البلدة القديمة… هوية معمارية وذاكرة اجتماعية
تُشكّل البلدة القديمة في بيت ساحور القلب التاريخي للمدينة، ومستودعها الأصيل للذاكرة الجماعية. وتمتاز البلدة بأزقتها الحجرية الضيقة، وبيوتها القديمة المشيّدة من الحجر الفلسطيني، ذات الأقواس والنوافذ الصغيرة، والتي تعكس طرازاً معمارياً تقليدياً يعبّر عن حقبة طويلة من الاستقرار الإنساني المتواصل.
ولا تقتصر أهمية البلدة القديمة على بعدها العمراني فحسب، بل تمتد لتشكّل فضاءً اجتماعياً احتضن عبر عقود طويلة أنماط حياة قائمة على التكافل الاجتماعي والترابط العائلي، ورغم ما تعرّضت له البلدة من تراجع في بعض المراحل، إلا أن جهوداً رسمية وأهلية تُبذل في السنوات الأخيرة للحفاظ على طابعها التراثي، وإعادة الاعتبار لها بوصفها جزءاً أصيلاً من هوية المدينة وذاكرتها التاريخية.
أهالي بيت ساحور… حضور وطني ودور ريادي
يتميّز أهالي مدينة بيت ساحور بوعيهم الثقافي والوطني، وبمشاركتهم الفاعلة في مختلف المحطات النضالية الفلسطينية، فقد كانت المدينة واحدة من أبرز مراكز المقاومة الشعبية السلمية خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، حين قدّم أهلها نموذجاً متقدّماً في العصيان المدني والتنظيم المجتمعي، ما رسّخ اسم بيت ساحور في الذاكرة الوطنية الفلسطينية.
كما عُرفت المدينة باهتمامها بالتعليم والعمل المؤسسي، وأسهم أبناؤها في ميادين العلم والطب والثقافة والفن داخل فلسطين وخارجها، ويحافظ المجتمع المحلي على نسيج اجتماعي متماسك، تدعمه مؤسسات أهلية وبلدية فاعلة تلعب دوراً محورياً في تعزيز صمود السكان والحفاظ على الهوية الوطنية.
معالم دينية وأثرية شاهدة على التاريخ
تزخر بيت ساحور بعدد من المواقع الأثرية والدينية التي تشكّل ركائز أساسية في المشهد الثقافي والسياحي للمدينة. ويأتي في مقدمة هذه المواقع حقل الرعاة، الذي يضم كنائس ومغارات أثرية تعود إلى فترات تاريخية مختلفة، ويُعدّ من أبرز المواقع الدينية المسيحية في فلسطين والعالم.
كما تضم المدينة عدداً من الكنائس والأديرة التاريخية، إلى جانب معاصر زيتون قديمة، وآبار مياه، وبقايا مبانٍ تعود للعصور الرومانية والبيزنطية، تعكس النشاط الزراعي والاقتصادي الذي عُرفت به المنطقة عبر التاريخ.
تحديات الحاضر وآفاق المستقبل
كغيرها من المدن الفلسطينية، تواجه بيت ساحور تحديات متواصلة في ظل الاحتلال الإسرائيلي، أبرزها مصادرة الأراضي، والتوسع الاستيطاني، والقيود المفروضة على الحركة والتخطيط العمراني. كما يعاني القطاع السياحي من تذبذب واضح، رغم ما تمتلكه المدينة من مقومات قادرة على دعم اقتصاد محلي مستدام.
ورغم هذه التحديات، يواصل أهالي بيت ساحور، بالتعاون مع مؤسساتهم الرسمية والأهلية، العمل على تعزيز صمود المدينة، والحفاظ على طابعها التاريخي، وتطوير مشاريع تنموية تسهم في تحسين جودة الحياة للسكان.
بيت ساحور… مدينة لا تغيب عن المشهد
تمثّل بيت ساحور اليوم نموذجاً لمدينة فلسطينية تجمع بين عمق التاريخ وراهنية القضية، وتحمل في تفاصيلها اليومية سردية شعب متمسك بأرضه وذاكرته، فهي ليست مجرد موقع جغرافي أو معلم ديني، بل مدينة حاضرة في الوعي الوطني الفلسطيني، وشاهدة على قدرة الإنسان الفلسطيني على البقاء والتجدد.
وبين حجارة البلدة القديمة، وحقول الزيتون والفقوس الساحوري، وأجراس الكنائس، تواصل بيت ساحور كتابة فصلها الخاص في الرواية الفلسطينية، كمدينةٍ تحرس الذاكرة، وتؤكد أن التاريخ ما زال حيّاً في المكان والإنسان.