الحرب في مرآة الكلمات: رحلة بين الأدب العربي والأدب العالمي
بقلم منار مناصرة - بيت لحم
الحرب ... ذلك الطيف الذي يلوح في أفق التاريخ، يختزل في صمته آلاف الصرخات ويهز الأرض كما يهز القلب .
من دفاتر التاريخ البعيد إلى الروايات المعاصرة، حاول الإنسان أن يضبط فوضى الدم والخراب في كلمات، أن يصيغ المعاناة في حروف وأن يحوّل الألم الفردي والجماعي إلى نص خالد يروي معركة الروح والجسد معا .
في الأدب العربي، الحرب ليست مجرد أحداث عسكرية بل تجربة وجودية واجتماعية تتقاطع فيها السياسة والتاريخ والدين مع العاطفة والوجدان، لتشكل سردًا جماعيًا يعكس صورة المجتمع وعمقه النفسي.
بينما في الأدب الغربي، تمثل الحرب رحلة داخل النفس البشرية اختبارًا فرديًا لمفهوم الحرية، الإنسانية، والصراع الداخلي، حيث تتحول المعركة إلى فضاء للبحث عن الذات، والمعنى، والموت !
فكيف تتشكل معالجة الحرب في الأدب العربي والغربي، وكيف تصوغ الثقافة والأسلوب والسرد رؤى مختلفة للمعاناة الإنسانية؟
الحرب في الأدب العربي – سيمياء الدم والأرض:
- الحرب كأداة للهوية الثقافية:
في الأدب العربي، الحرب ليست مجرد حدث بل مرآة لتاريخ الأمة وروحها الجماعية منذ الحروب القبلية وحتى النزاعات المعاصرة مثل الحرب الفلسطينية أو الحروب الأهلية في لبنان وسوريا، تبرز الكتابة العربية الحرب كظاهرة تشكل الفرد والمجتمع معًا، حيث يصبح الألم الفردي جزءًا من مأساة جماعية.
-الحرب في النص العربي غالبًا ما تحمل أبعادًا أخلاقية وفلسفية:
• الشجاعة والبطولة: الفرد العربي يُختبر في ميادين الحرب كرمز للشرف والوفاء.
• المجتمع مقابل الفرد: الصراع لا يكون بين الخير والشر فقط، بل بين القيم التقليدية والحداثة، الواجب والرغبة، التضحية والبقاء.
• الدين والتراث: في كثير من النصوص، تمثل الحرب اختبارًا للهوية الدينية والثقافية، مثلما يظهر في أعمال نجيب محفوظ التي تعكس صراع الفرد والمجتمع في أزمات تاريخية.
- الأسلوب واللغة:
الأدب العربي يميل إلى البلاغة والرمزية المكثفة:
• الحرب في الرواية العربية بحر من استعارات وتشبيهات، تجعلك تشعر بالدماء تتدفق على صفحات النص والخراب يعلو فوق الأبنية والقلوب.
• السرد جمعي وغالبًا حلقوي لا يقتصر على تجربة الفرد بل يشمل تفاعلات المجتمع ككل بحيث يصبح النص سجلًا تاريخيًا ونفسيًا في آن واحد.
• اللغة الأدبية تمثل صرخة الروح الجماعية حيث تصف المعاناة، الألم والفقدان، لكنها تبقي الأمل حياً في رمزية الشخصيات أو الطبيعة أو المكان.
- الشخصيات بين البطولة والمعاناة:
في الأدب العربي:
• الرجل غالبًا رمز للشجاعة والصراع الأخلاقي، يتأرجح بين الواجب الفردي وجاذبية البقاء، بين الشرف والانكسار .
• المرأة تمثل التحمل والمعاناة، أحيانًا كرمز للوطن أو الصبر والثقافة .
• الحرب تكشف عن أبعاد القيم، التضحية والصمود، وتجعل من الشخصيات رموزًا وليس مجرد أفراد.
- نصوص نموذجية وتحليلها:
"رجال في الشمس" لغسان كنفاني:
الحرب الفلسطينية تُرسم ليس كحدث عسكري فقط ، بل كمأساة جماعية ...
الشخصيات: على الرغم من اختلافها تصبح رموزًا للصراع مع الغربة، الحرمان، والفقد .
السرد يدمج الواقعية مع الرمزية الصحراء تمثل الفراغ والمعاناة، والرحلة تمثل اختبار الحياة في زمن الحرب.
"الخبز الحافي" لمحمد شكري:
تصوير الحرب كأثر مستمر على المجتمع، يجعل الفرد قاصرًا أمام قوة التاريخ والظروف الاجتماعية.
الأسلوب يعتمد على الواقعية الشديدة والتصوير الشعوري المكثف، حيث يصبح الألم جزءًا من وجود الإنسان العربي.
الحرب في الأدب الغربي ... الفرد في مواجهة الفوضى:
- الحرب كرحلة نفسية:
في الأدب الغربي، تمثل الحرب غالبًا فضاءً لاختبار النفس البشرية، رحلة داخل الذات:
• الدماء والخراب ليست مجرد أحداث خارجية، بل مرآة لصراعات الفرد الداخلية، حيث يصبح الخوف، الشك، والبحث عن المعنى أهم من الرصاص أو القنابل !
• الحرب وسيلة لاستكشاف مفهوم الحرية، الفردية، والصراع مع الذات والمجتمع في الوقت ذاته.
- الأسلوب والسرد:
• اللغة الغربية تميل إلى الواقعية والتحليل النفسي وتوثق الأحداث بشكل دقيق ومفصل.
• السرد غالبًا مركزي حول شخصية الفرد، حيث تصبح معركة الفرد مع النفس جزءًا من الحرب نفسها.
• الأسلوب يخلق توترًا نفسيًا مستمرًا يجعل القارئ يشعر بأنه يعيش الحرب، يسمع الصراخ ويرى الدماء ويشعر بالاغتراب النفسي للشخصيات.
- الشخصيات بين الصراع الذاتي والحرية:
• الحرب تكشف الصراعات الداخلية، الاختيارات الأخلاقية والشجاعة الفردية.
• المرأة في الأدب الغربي غالبًا ما تكون شخصية مستقلة، حرة، قادرة على الاختيار .
في مرآة الأدب لا تظهر الحرب كحدث عابر في الزمن بل كجرح مفتوح في الوعي الإنساني ... بين الأدب العربي والأدب الغربي تتعدد زوايا الرؤية لكن الألم واحد والخسارة واحدة والإنسان هو المركز الخفي لكل السرديات .
العربي يكتب الحرب بوصفها ذاكرة جماعية وامتحانًا للهوية وانكسارًا يتوارثه المكان واللغة بينما يكتبها الغربي كعزلة داخلية ورحلة فردية في متاهة الخوف والمعنى ، فاختلاف الأسلوب لا يلغي وحدة التجربة فالحرب أينما كانت تُسقط الأقنعة وتعيد تعريف الإنسان أمام نفسه .
وفي هذا السياق تظل فلسطين في الأدب مساحة إنسانية قبل أن تكون جغرافيا سياسية ، حضرت في النصوص العربية والعالمية بوصفها سؤالًا مفتوحًا عن العدالة والمنفى والبيت المفقود ، كحياة يومية تتآكل تحت ثقل الانتظار... في الكتابة عنها تتراجع لغة السلاح لتتقدم لغة الإنسان... الأم، الطفل، العامل، العابر الذي يبحث عن معنى الاستمرار ، هكذا تتحول فلسطين في الأدب إلى رمز عالمي للتجربة الإنسانية حيث لا تُروى الحرب من زاوية المنتصر أو المهزوم بل من زاوية من يحاول أن يحيا رغم كل شيء.
وفي النهاية الأدب لا يوقف الحروب، لكنه يمنعها من أن تمر بلا شهادة ... هو الذاكرة التي ترفض الصمت والجسر الذي يربط بين الثقافات عبر الألم المشترك وحين نقرأ الحرب في نص عربي ، فإننا لا نقرأ عن الآخر بقدر ما نقرأ عن أنفسنا ... عن هشاشتنا وقدرتنا على التحمل، وعن ذلك الأمل العنيد الذي رغم الخراب يصرّ على أن يبقى حيًا في الكلمات.