تحديثات الأخبار

تُعدّ القهوة أحد أبرز المشروبات انتشاراً على مستوى العالم، وقد تجاوز حضورها إطار الاستهلاك اليومي لتصبح عنصراً فاعلاً في المنظومات الغذائية والاقتصادية والثقافية لمختلف المجتمعات، وتندرج القهوة، من حيث التصنيف الغذائي، ضمن المشروبات الساخنة المنبّهة، نظراً لاحتوائها على مادة الكافيين، التي تؤثر بشكل مباشر في الجهاز العصبي المركزي، وتسهم في رفع مستوى الانتباه وتحسين الأداء الذهني.

ويعود أصل القهوة إلى حبوب البن المستخرجة من شجرة البن، التي تُزرع أساساً في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية، وتشمل بشكل رئيسي نوعين تجاريين هما بن الأرابيكا، الذي يتميز بنكهته المتوازنة وجودته العالية، وبن الروبوستا، المعروف بارتفاع نسبة الكافيين فيه ومقاومته للظروف المناخية الصعبة، وتمر حبوب البن بعدة مراحل إنتاجية تبدأ بالزراعة والحصاد، مروراً بالتجفيف والتحميص، وصولاً إلى الطحن والتحضير، وهي سلسلة إنتاج معقّدة تشكّل جزءاً أساسياً من التجارة العالمية.

من الناحية الصحية، تشير دراسات غذائية متعددة إلى أن القهوة تحتوي على مركبات طبيعية مضادة للأكسدة، قد تسهم في تقليل مخاطر بعض الأمراض المزمنة عند استهلاكها بشكل معتدل ، كما أظهرت أبحاث أن القهوة قد تلعب دوراً في تحسين المزاج وتقليل الشعور بالإجهاد، إلى جانب ارتباطها بزيادة مستويات التركيز والانتباه، في المقابل، تؤكد الجهات الصحية أهمية ضبط معدلات الاستهلاك، إذ إن الإفراط في تناول القهوة قد يؤدي إلى آثار سلبية، من بينها اضطرابات النوم، وارتفاع ضغط الدم، وتسارع ضربات القلب لدى بعض الفئات.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تمثل القهوة واحدة من أكثر السلع الزراعية تداولاً في الأسواق العالمية، حيث تشكّل مصدر دخل رئيسياً لملايين المزارعين في دول أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا. كما تُعدّ صناعة القهوة قطاعاً متكاملاً يشمل الزراعة، والتصنيع، والنقل، والتجارة، وصولاً إلى المقاهي والصناعات التحويلية المرتبطة بها، ما يجعلها عنصراً مؤثراً في الاقتصاد العالمي وسلاسل التوريد الدولية.

أما من الناحية الثقافية والاجتماعية، فقد ارتبطت القهوة عبر التاريخ بعادات وتقاليد راسخة، تختلف باختلاف المجتمعات ، ففي العالم العربي، تُعدّ القهوة رمزاً للضيافة والتواصل الاجتماعي، وتحظى بمكانة خاصة في المناسبات الرسمية والاجتماعية. وفي مجتمعات أخرى، تطوّرت القهوة لتصبح جزءاً من نمط الحياة اليومية، وفضاءً للحوار والتلاقي الفكري، كما هو الحال في المقاهي الثقافية والتاريخية.

وفي السنوات الأخيرة، شهد قطاع القهوة تحولات ملحوظة مع بروز مفهوم القهوة المختصة، الذي يركّز على جودة الحبوب، ومصادرها، وطرق تحميصها وتحضيرها، بما يعكس تطور وعي المستهلك واهتمامه بتفاصيل المنتج ، وقد أسهم هذا التوجه في إعادة تشكيل سوق القهوة، وفتح آفاق جديدة للاستثمار والابتكار.

وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إن القهوة لم تعد مجرد مشروب منبّه، بل أصبحت ظاهرة متعددة الأبعاد، تجمع بين الغذاء والصحة والاقتصاد والثقافة، وتؤكد مكانتها كمكوّن أساسي في الحياة اليومية للمجتمعات الحديثة.