تحديثات الأخبار

بقلم الدكتور عماد سالم - بيت لحم

هذه ليست جريمة عادية.وليست حكاية تُروى ثم تُنسى.هذه جريمة مكتملة الأركان، باسمٍ واضح:
جوسيان قُتلت على يد زوجها.

منذ أن وقعت الجريمة، لم يكن الخبر مجرد رقم عابر في سجل الحوادث، بل كان صفعة قاسية أعادت إلى الذاكرة ظلالًا ظننا أنها اندثرت مع عصور الجاهلية الأولى. وحين رأيت جوسيان مسجاة في تابوتها، بوجه بريء ساكن، كأنه يسأل العالم كله: بأي ذنب؟ أدركت أن الوأد لم ينتهِ… بل غيّر شكله فقط.

لم تعد الطفلة تُدفن حيّة في الرمال، بل تُدفن المرأة اليوم تحت ركام الصمت، والخوف، والتبرير.

لم تكن هذه الجريمة قدرًا مباغتًا، ولا حادثًا عابرًا، بل كانت مسارًا طويلًا من الألم، تُسحب فيه الحياة قطرةً قطرة، حتى انتهت على يد من كان يفترض أن يكون موطن الأمان. زوجٌ استهان بروحٍ أُودعت لديه أمانة، فحوّل يده إلى سوط، والبيت إلى قبر، والرجولة إلى ذريعة للبطش.

لم تمت في ساحة حرب، ولا تحت ركام قصف، ولا بسبب قدرٍ غامض، قُتلت حيث يُفترض أن تكون الحياة أكثر أمانًا:داخل البيت.

لكن الحقيقة الأعمق، والأكثر إيلامًا،أن جوسيان لم تُقتل فقطبل وُئدت.

نعم، وُئدتكما كانت تُوأد البنات في عصور الجاهلية، لكن الفارق الوحيد أن التراب تغيّر شكله.

لم تعد الفتاة تُدفن في حفرة رملية،بل تُدفن اليوم في صمتٍ طويل،وفي خوفٍ متراكم، وفي مجتمع يرى… ويتجاهل.

وجوسيان؟
لم تُدفن تحت الرمال
بل وُئدت في تابوتها.

دعونا لا نهرب من الحقيقة.

جوسيان لم تمُت في لحظة. بل كانت تموت كل يوم: حين خافت ولم تجد حماية، حين تكلمت ولم تُصدّق، حين تألمت وطُلب منها أن تصبر.

إلى أن جاء اليوم الذي صمت فيه صوتها إلى الأبد.

بأي ذنب قُتلت جوسيان؟

هل لأنّها وثقت؟ لأنها صدّقت أن الزواج مودة ورحمة؟ لأنها آمنت أن البيت سكنٌ لا سجن؟

أم لأننا جميعًا، بطريقة أو بأخرى، اخترنا أن نصمت؟

وفي قلب هذه المأساة في زاوية أخرى من المشهد حكاية أخرى لا تقل وجعًا، طفلها الرضيع كرم.
لا يدرك معنى الموت، لكنه يدرك الغياب، ينادي (أمي) فلا يجيبه إلا الصمت.

ذلك الصدر الذي كان وطنه… لم يعد.
وذلك الصوت الذي كان يهدئ خوفه… اختفى.

فمن له الآن؟
ومن سيشرح له، حين يكبر، أن العالم الذي خطف أمه… سيطالبه بأن يثق به؟

كرملا يفهم معنى الموت، لكنه سيفهم الغياب.

سيبحث بعينيه عن وجهٍ كان يطمئنه، عن صدرٍ كان وطنه، عن يدٍ كانت تمسح خوفهلكن لا شيء سيعود.

كرم لن يتذكر تفاصيل الجريمة، لكنه سيحمل نتائجها كل يوم من عمره. سيكبر وهو يشعر أن شيئًا ما انكسر في بداياته،
أن العالم الذي استقبلهلم يستطع أن يحمي أمه.

فأي طفولة هذه التي تبدأ بفقد؟ وأي مستقبل يُطلب منه أن يبنيه فوق هذا الغياب؟

ومن سيخبره، حين يكبر، أن من كان يجب أن يحمي… هو من قتل؟
ومن سيواسي قلبه حين يدرك أن أمه لم تمت… بل أُخذت منه؟

الحقيقة التي يجب أن تُقال بلا تردد:جوسيان لم يقتلها زوجها وحده.

قتلها.....كل من قال لها اصبري....كل من خاف من كلام الناس....كل من رأى العنف وسكت....كل من برر… أو تجاهل… أو تأخر.

نعم، القاتل واحد، لكن الجريمة جماعية.

هذه ليست حالة فردية.هذه نتيجة بنية اجتماعية مختلة.

بنية تعطي السلطة داخل البيت بلا مساءلة، وتطلب من الضحية تحمّل ما لا يُحتمل،
وتحوّل الألم إلى شأن خاص لا يجوز الاقتراب منه. بنية تخاف الفضيحةأكثر مما تخاف الدم.

حين كانت البنات تُوأد في التراب،كان الفعل جريمة واضحة.

أما اليوم،فالوأد أكثر قسوة… لأنه صامت، يحدث أمام أعيننا، داخل البيوت، تحت مسميات “الخصوصية، و”الحفاظ على الأسرة، و”الستر”.

لكن أي ستر هذاالذي ينتهي بتابوت؟

جوسيان وُئدت في تابوتها.

ولم تُدفن وحدها، دُفن معها:إحساس الأمان، ومعنى البيت، وكذبة كنا نكررها لأنفسنا: أن النساء بخير.

وتركَت خلفها كرميحمل من العمر أيامًا، ويحمل من الفقد ما لا يحتمله عمرٌ كامل.

دعونا نكون أكثر شجاعة.....حين تُقتل امرأة في بيتها، فهذا ليس حادثًا. هذا فشل جماعي. فشل في الحماية، وفشل في الوعي، وفشل في التدخل في الوقت المناسب.

المأساة لا تبدأ لحظة الضرب، بل تبدأ حين لا تجد الضحية بابًا يُفتح، ولا صوتًا يصدقها، ولا يدًا تمتد لإنقاذها.

تُقتلحين يجتمع الجاني، والصامت، والمبرر، والمتأخرفيتحولون جميعًا إلى يدٍ واحدة.

أما السؤال الذي يجب أن يُقلقنا جميعًا:

كم جوسيان أخرى يجب أن تُوأد، لكن هذه المرة في توابيت… لا في رمال؟ وكم كرم آخر يجب أن يكبر بلا أم،
يحمل سؤالًا بلا جواب، حتى نفهم أن الصمت ليس حيادًا… بل شراكة؟

هذه ليست نهاية قصة.هذه لحظة اختبار.

إما أن نكسر هذا الصمت، ونعيد تعريف ما هو مقبول وما هو مرفوض،وإما أن ننتظرالاسم القادم.