الحياة بين حاجزين: ماذا يفعل الفلسطيني في الساعات الضائعة؟
الحياة بين حاجزين: ماذا يفعل الفلسطيني في الساعات الضائعة؟
في الضفة الغربية، لا يُقاس الوقت فقط بالساعات والدقائق، بل بالمكان الذي يمكن أن يمر فيه الإنسان. لكل مواطن فلسطيني هناك يوم يمرّ بين حاجزين على الأقل، في انتظار تصاريح أو تفتيش، حيث تتحوّل الساعات إلى دقائق ضائعة، والحياة اليومية إلى سلسلة من التأجيلات والإلغاءات.
الحاجز: بوابة للخطر والروتين
في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها الشعب الفلسطيني في الآونة الأخيرة، أصبح التنقل بين المدن والأحياء أكثر صعوبة وتعقيدًا. يضطر المواطنون إلى الخروج من منازلهم في ساعات مبكرة جدًا من الصباح، غالبًا قبل بدء دوام العمل أو المدرسة، لكي يتمكنوا من الوصول إلى أماكن عملهم أو مدارسهم أو مواعيدهم الأخرى ضمن الوقت المحدد.
ويأتي هذا في ظل تشديدات عسكرية متزايدة يفرضها الاحتلال على حركة الفلسطينيين، من خلال الحواجز العسكرية الثابتة والمتحركة، الإغلاقات المفاجئة، والبوابات المراقبة، ما يضاعف الضغط النفسي والجسدي على المواطنين. هذه الإجراءات لا تؤثر على الموظفين البالغين فقط، بل تمتد آثارها لتطال الأطفال بشكل خاص، الذين يجدون صعوبة كبيرة في الوصول إلى مدارسهم في الوقت المناسب، مما ينعكس سلبًا على مسيرتهم التعليمية والتطور الأكاديمي.
تظهر الدراسات والملاحظات الميدانية أن الانتظار الطويل عند الحواجز والاضطرابات اليومية في التنقل يمكن أن يقلل من التركيز الدراسي للأطفال، ويزيد من معدلات الغياب، ويعيق التحصيل العلمي. كما أن الضغط النفسي الناتج عن خوف التأخير أو التفتيش المتكرر يولد توترًا وإرهاقًا نفسيًا يترك أثره على الصحة العقلية للطلاب والمجتمع بشكل عام.
ولا يقتصر الأمر على الأطفال فقط، فالعمال والموظفون يتعرضون أيضًا لتأجيلات متكررة تؤثر على الإنتاجية والأداء الوظيفي، حيث تضيع ساعات من العمل بسبب الانتظار أو التحويلات الاضطرارية على الطرق، الأمر الذي يترتب عليه خسائر اقتصادية واجتماعية على المستوى الفردي والمجتمعي.
ومع كل هذه القيود، يسعى الفلسطينيون إلى التكيف مع الظروف الصعبة، بوضع جداول زمنية دقيقة، والمغادرة قبل الموعد المتوقع بوقت طويل، واعتماد طرق بديلة إن وجدت. لكن هذه الاستراتيجيات غالبًا لا تكفي، حيث يظل الاحتلال يفرض قيودًا يومية على حرية الحركة، ويحول الحياة اليومية إلى تحدٍّ مستمر.
ولكي لا ننسى، فإن الفلسطينيين يتعرضون لمضايقات يومية تبدأ من نقاط التفتيش والحواجز العسكرية، حيث يتحكم الاحتلال في حرية تنقلهم بشكل صارم. في بعض الأحيان، لا يقتصر الأمر على التأخير أو الإعاقة، بل يصل إلى الاحتجاز المؤقت على الحواجز، حيث يتم تفتيش المواطنين بشكل مطول، وفرض القيود الأمنية الصارمة عليهم.
هذه الإجراءات اليومية قد تؤدي أحيانًا إلى اعتقالات مفاجئة، ليصبح المواطن الفلسطيني في مواجهة مباشرة مع نظام الاعتقال الإسرائيلي دون رحمة. الأطفال والنساء والرجال جميعهم معرضون لهذا الواقع، حيث يتحول المار على الحواجز إلى تجربة صعبة تتخللها مخاوف مستمرة من الاعتقال أو المضايقات القانونية أو الملاحقة الأمنية.
وتشير التقارير الحقوقية إلى أن هذه السياسات لا تؤثر فقط على الحرية الفردية، بل تترك آثارًا نفسية واجتماعية طويلة المدى على الأسر والمجتمع. الأسرى الذين يُحتجزون تحت ظروف قاسية يواجهون ضغطًا نفسيًا مستمرًا وفقدانًا للتحكم في حياتهم اليومية، فيما يعاني أقاربهم من توتر دائم وقلق مستمر.
ورغم هذه الضغوط اليومية، يستمر الفلسطينيون في الحركة والعمل والصمود. يحاولون تحويل الوقت الضائع إلى لحظات صبر وإبداع ومقاومة صامتة. الأطفال يكبرون وهم يتعلمون الصبر، والآباء والأمهات يتعلمون ترتيب أولوياتهم بما يتوافق مع قيود الاحتلال، والمجتمع كله يبتكر طرقًا للحفاظ على استمرار الحياة رغم الضغط الزائد.
الحياة بين الحواجز ليست مجرد ساعات ضائعة، بل تجربة يومية تعيد تعريف الحرية والزمن والعمل في الضفة الغربية. الفلسطيني الذي يمرّ بالحواجز كل يوم يعيش ضغطًا نفسيًا متراكمًا، لكنه يستمر في الحركة والصمود. فالصمود هنا ليس مجرد كلمات، بل قدرة على استعادة الحياة بين دقائق ضائعة، وتحويل القيود اليومية إلى فعل مقاومة صامتة.