تحديثات الأخبار

بقلم إيناس صيام - القدس

لستَ سيئ الحظ.. إليك كيف تكتمل "دائرة أرزاقك" الخفية التي لا تراها

في عالمنا المتسارع الذي يقدس الأرقام، اعتدنا أن نحصر كلمة "رزق" في زاوية ضيقة جداً: رصيد البنك، المنصب الوظيفي، أو الممتلكات المادية. وعندما ينقص هذا الجانب أو يتعثر، نشعر بمرارة الفشل، ونبدأ في جلد ذواتنا بأسئلة قاسية: "هل قصرت في السعي؟ هل أنا أقل ذكاءً من غيري؟".

لكن الحقيقة التي تغيب عن الكثيرين هي أن الحياة ليست سباقاً في مضمار واحد، بل هي عملية حسابية معقدة وعادلة للغاية، ولكننا غالباً ما ننظر إلى "الناتج" من زاوية مادية ضيقة، متجاهلين بقية الزوايا التي تجعل حياتنا مستمرة.

نظرية "الـ 24 قيراطاً" وتوزيع الحظوظ
تخيل أن حياة كل إنسان عبارة عن سبيكة ذهبية تتكون من 24 قيراطاً. هذه القراريط هي مجموع أرزاقك في الدنيا، وهي موزعة بدقة متناهية لا تقبل الخطأ، ولكن بأشكال متفاوتة بين البشر:

·       المال والعمل: قد يكون نصيبك هنا 5 قراريط فقط.

·       الصحة والعافية: قد تأخذ هنا 10 قراريط (وهو الرزق الخفي والأغلى).

·       العائلة والمحبون: قد تُرزق بـ 7 قراريط من الدفء والقبول الاجتماعي.

·       راحة البال: قيراطان يزنان ذهباً في زمن القلق.

المجموع دائماً هو 24. حين تنظر إلى شخص تظنه "أوفر حظاً" لأنه يملك 20 قيراطاً في المال، ستجده حتماً يفتقد الـ 20 قيراطاً الأخرى في جوانب قد تملكها أنت وتعتبرها "تحصيل حاصل"، كالصحة، أو سلامة الأبناء، أو حتى القدرة على النوم بعمق دون مهدئات.

ليس خللاً في السعي بل حكمة في التوزيع
هذه هي النقطة المفصلية التي يجب أن نتوقف عندها: إن تعثرك في جانب معين رغم بذل قصارى جهدك واستنفادك لكل الأسباب المنطقية، ليس دليلاً على فشلك أو نقص في كفاءتك.

يقول الحكماء إن السعي "وظيفة العبد"، والنتيجة "حكمة الرب". أحياناً يكون المنع في جانب هو قمة العطاء في جانب آخر:

1.    حماية خفية: قد يكون المال الوفير الذي فاتك سبباً في طغيان يُفسد عليك سكينة بيتك.

2.    توازن القوى: قد يكون نجاحك المهني الباهر مقابله ضريبة باهظة من صحتك لا تقوى على دفعها.

تذكر دائماً: الأرزاق ليست "كميات" نجمعها، بل هي "توليفة" صُممت خصيصاً لتناسب تكوينك النفسي والروحي وما يصلح به شأنك.

دوائر الرزق الخمسة: تفقد رصيدك الحقيقي
قبل أن تحزن على ما فاتك من "مادة"، تفقد رصيدك في هذه البنوك الخمسة، لعلّك "مليونير" في جوانب لا تُثمن بمال:

·       رزق الأرواح: صديق وفي، شريك حياة متفهم، أو دعوة والدين بظهر الغيب.

·       رزق العافية: أن تستيقظ بجسد يؤدي وظائفه بسلام؛ هذا تاج لا يراه إلا من فقده.

·       رزق القبول: أن يضع الله لك القبول في الأرض، فتهفو إليك القلوب بلا مصلحة.

·       رزق الحكمة: القدرة على اتخاذ قرار صائب أو تجاوز أزمة نفسية دون انكسار.

·       رزق الكفاف: مال يكفيك سؤال الناس ويحفظ كرامتك، وهو وسيلة العيش لا غايته.

الخاتمة: الرضا هو "الرزق الأكبر"
في النهاية، العدالة الإلهية تقتضي أن يأخذ كل إنسان حصته كاملة، ولكن ليس بالضرورة بالشكل الذي رسمه في خياله، بل بالشكل الذي يحقق توازنه في هذه الدنيا. السعي مطلوب، والعمل عبادة، ولكن اليقين بأن نصيبك لن يأخذه غيرك هو قمة الذكاء الإنساني.

إذا تعثرت أبواب المال، فانظر حولك. ستجد أبواباً أخرى فُتحت لك على مصراعيها في الستر والمحبة والصحة. أنت لست ناقصاً، أنت فقط مُوزع الأرزاق بحكمة. فارضَ بما قسمه الله لك، تكن أغنى الناس.