تحديثات الأخبار

مع تصاعد تأثير الإعلام الرقمي في تشكيل الرأي العام، باتت الخوارزميات الإلكترونية التي تدير المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي تمثل ميدانًا جديدًا من ميادين الصراع السياسي والإعلامي في العالم.
فمن خلال التحكم بما يُعرض للمستخدمين، تتحول هذه الخوارزميات إلى أداة تأثير غير مباشرة في القضايا العامة والنزاعات الدولية.

تقوم خوارزميات المنصات الرقمية على معادلات رياضية تحدد ما يظهر للمستخدم بناءً على نشاطه وتفضيلاته، إلا أن خبراء الإعلام يشيرون إلى أن هذه المعادلات لا تعمل بمعزل عن السياسة والاقتصاد.
فأي تعديل بسيط في طريقة ترتيب المنشورات أو تصنيف المحتوى قد يغير من اتجاهات النقاش العام ويؤثر على الصورة الذهنية لموضوع أو قضية معينة.

ويقول الباحث في الإعلام الرقمي “ألكسندر روسي” من جامعة أكسفورد في تقرير نشره عام 2024، إن “الخوارزميات أصبحت تلعب دور المحرر الخفي في غرف الأخبار الحديثة”، مشيرًا إلى أن كثيرًا من المستخدمين لا يدركون أن “ما يرونه على الشاشة ليس عشوائيًا بل مُختارًا بعناية وفق معايير غير معلنة”

تؤكد الشركات المالكة لمنصات التواصل أن سياساتها تهدف إلى الحد من التضليل وخطاب الكراهية، وتصف ما تقوم به بأنه “إدارة للمحتوى لا أكثر”.
في المقابل، يرى مدافعون عن حرية الإعلام أن هذا “الضبط الخوارزمي” قد يؤدي إلى تقييد غير معلن للمحتوى السياسي أو الإنساني في بعض القضايا الحساسة.

وتشير دراسات صادرة عن "مركز رويترز لدراسات الصحافة الرقمية" إلى أن أكثر من 70 دولة حول العالم استخدمت حملات رقمية منظمة للتأثير في الرأي العام عبر الإنترنت، سواء من خلال نشر المحتوى الموجّه أو تشغيل حسابات آلية (بوتات) تضخ رسائل محددة بشكل متكرر.

يرى مختصون أن مواجهة هذه التحديات تتطلب تعزيز الوعي الرقمي لدى المستخدمين، أي فهم كيفية عمل المنصات، وأسباب ظهور محتوى دون آخر.
فالمستخدم الواعي قادر على التحقق من مصادر المعلومات ومقارنة السرديات المختلفة قبل تكوين رأي عام.
ويشير خبراء إلى أن “الوعي بخوارزميات الإعلام أصبح اليوم مهارة لا تقل أهمية عن مهارة القراءة نفسها”.

تظل الخوارزميات أدوات تقنية في ظاهرها، لكنها أصبحت فاعلاً سياسيًا وإعلاميًا مؤثرًا في تشكيل الوعي الجمعي.
وبينما يتسابق العالم لتطوير تقنيات أكثر ذكاءً، يزداد السؤال إلحاحًا:
هل يمكن أن نحافظ على إنترنت حر ومحايد، أم أن السيطرة على “ما نراه” ستبقى شكلًا جديدًا من القوة في القرن الحادي والعشرين؟