تحديثات الأخبار

الدراما الرقمية : عصر جديد تتحول فيه المقاطع القصيرة الى صانعةٍ للوعي السياسي

في السنوات الأخيرة تغيرت خريطة التأثير الإعلامي جذريا ولم تعد المؤتمرات الصحفية الطويلة او البيانات الرسمية هي المصدر الأول الذي يوجه الراي العالم : المشهد اليوم تحكمه مقاطع قصيرة لا تتجاوز ثوانٍ لكنها تملك قوة تفوق أحيانا ما تنتجه مؤسسات إعلامية كاملة ، هذا التحول لم يأتي من فراغ بل نتيجة تطور المنصات الرقمية وخوارزمياتها التي تفضل الإيقاع السريع والرسائل المركزة وتمنحها انتشارا يتجاوز الحدود فيصبح فيديو واحد قادر على قلب السردية او فضح جريمة او تشكيل موجة غضب شعبي في ساعات قليلة .

تغيرت علاقة الجمهور مع المعلومات لم يعد المتلقي يبحث عن تحليل مطول الا في مراحل متقدمة من الاهتمام بينما اللحظة الأولى تلك التي تصنع الانطباع وتوجه الموقف صارت ملكا للمقاطع السريعة في قضايا حساسة مثل الحرب على غزة ظهر هذا التحول بوضوح غير مسبوق صور تلتقط بهاتف محمول تصبح خلال دقائق حديث العالم .

تتمتع المقاطع القصيرة بميزة بصرية عاطفية ، فهي لا تشرح فقط بل تخلق تجربة كاملة : صوت الانفجار ، صراخ المدنيين ، اللحظة التي يتداعى فيها المنزل ، او الطفل الذي ينادي على اسرته من تحت الركام ، أصبحت هي التي تمنح العالم " حقيقة الحرب " على صورتها الخام ، لذلك تتحول هذه المقاطع الى مادة تتكرر مشاركتها ملايين المرات ويتعامل معها الجمهور باعتبارها وثائق لا يمكن انكارها .

في الوقت نفسه يغير هذا الواقع طبيعة الصراع على السردية لم يعد الاحتلال قادر على احتكار الرواية عبر اعلامه او بياناته لان المقاطع التي يلتقطها السكان والصحفيون على الأرض قادرة على فضح كل التفاصيل حتى تلك التي لا تظهر في نشرات الاخبار ، وحين تصبح الخوارزميات هي التي تقرر ما يشاهده الجمهور تتحول المعركة الى محاولة السيطرة على انتشار هذه المقاطع ، حذف ،تقييد ،حظر ظلي وملاحقة الأصوات المؤثرة ، انها حرب صامتة تجري داخل منصات التواصل لكنها لا تقل تأثيرا عن الحرب على الأرض .

في المقابل تحاول الحكومات والمؤسسات الإعلامية التقليدية مجاراة هذا التحول عبر تخصيص فرق كاملة للإنتاج مقاطع قصيرة وصياغة الرسائل السياسية بأسلوب درامي سريع يراهن على الجذب الفوري ، حيث انه لم يعد الخطاب الرسمي يعتمد على النصوص الطويلة بل على دقيقة مصورة بإخراج محكم تحاول تقديم موقف سياسي بشكل يسهل تداوله اكثر من تحليل مطول وهكذا ، وهكذا يتحول السياسيون والمتحدثون الرسميون الى " مؤثرين رقميين " بشكل غير مباشر ينافسون صانعي المحتوى على الجمهور نفسه .

تؤكد هذه الموجة ان الزمن الإعلامي الجديد يقوم على الإيقاع والقدرة على اختصار مشهد كامل في لقطة واحدة وعلى صناعة لحظة عاطفية مكثفة قادرة على تحريك الوعي الشعبي ، وفي هذا السياق لم يعد السؤال : ماذا قيل في المؤتمر؟ ، بل : ما هو المقطع الذي نشر ولمن كان التأثير ؟ اذ باتت الرسائل تتخذ شكل موجات قصيرة وسريعة لكنها عميقة الأثر .

هذا التحول يفتح الباب لمستقبل يصبح فيه الوعي السياسي نتاجا مباشرا للدراما الرقمية والصورة التي تلتقط في لحظة واحدة وتعيش الى الابد على المنصات ، وفي عالم تتسارع فيه الحروب وتخاض المواجهات على الخوارزميات بقدرة ما تخاض على الأرض ، يبدو ان المقاطع القصيرة لن تكون مجرد وسيلة عابرة بل محورا  أساسيا في تشكيل الذاكرة الجماعية وصناعة الحقيقة وإعادة تعريف القوة في العصر الرقمي .