تحديثات الأخبار

ليس رمضان شهرًا يمرّ على التقويم ثم يمضي، بل هو موعدٌ سنويٌّ تُجَدَّد فيه الأرواح وتُرمَّم فيه القلوب وتُفتح فيه نوافذ السماء للقلقين والتائبين والمنكسرين ... يأتي رمضان ليوقظ في الإنسان إنسانيته وفي القلب فطرته الأولى وفي الروح شوقها الأزلي إلى الله.

رمضان ليس امتناعًا عن الطعام والشراب بقدر ما هو امتناع عن كل ما يُثقِل الروح ويُبعِدها عن صفائها ... هو نداء خفيّ يسمعه من أرهقته الدنيا ودعوة رحيمة لمن أثقلته الذنوب، ورسالة أمل لكل من ظن أن الطريق قد طال.

في هذا التقرير، نحاول أن نغوص في البعد الروحي لشهر رمضان لا بوصفه عبادة موسمية بل باعتباره رحلة إيمانية شاملة تبدأ من الجسد وتعبر بالقلب، وتنتهي عند الروح.

 • رمضان… شهر العودة إلى الله:

يأتي رمضان كل عام ليقول للإنسان: ارجع
ارجع إلى قلبك قبل أن يتقسى
وإلى روحك قبل أن تذبل
وإلى ربك قبل أن تُغلَق الصفحات !

في زحام الحياة، يبتعد الإنسان دون أن يشعر وتتراكم الغفلة يومًا بعد يوم حتى يصبح الذكر ثقيلًا والخشوع غريبًا والدعاء عادة بلا روح ... وهنا يأتي رمضان لا ليوبّخ بل ليحتضن.

- رمضان هو شهر العودة
عودة القلب إلى سجوده الحقيقي
وعودة الروح إلى خالقها بعد طول انشغال
وعودة الإنسان إلى ذاته التي كادت تضيع

إن أعظم ما في رمضان أنه لا يُشعِر الإنسان بأنه مرفوض بل يمنحه إحساسًا عميقًا بأن باب الله لا يزال مفتوحًا وأن الرحمة لا تزال قريبة وأن التوبة ليست مستحيلة مهما طال البعد.

• لصيام… عبادة تُهذِّب الروح:

قد يظن البعض أن الصيام حرمان، لكنه في حقيقته تحرير ...
تحرير للنفس من سيطرة الشهوة
وتحرير للقلب من عبودية العادة
وتحرير للروح من ثِقل الدنيا

حين يجوع الجسد، تشبع الروح
وحين تسكن الشهوة، يتكلم القلب
وحين يصمت الطعام، ينطق الإيمان

الصيام ليس فقط أن تمسك عن الطعام والشراب، بل أن تصوم الجوارح وتصوم الأفكار ويصوم القلب عن كل ما لا يرضي الله... هو تدريب عملي على المراقبة حيث يتعلّم الإنسان أن الله يراه حتى حين لا يراه أحد ...
وفي هذا الامتناع الواعي تتربّى النفس على الصبر ويتعلّم القلب معنى الانتظار وتذوق الروح لذّة الانتصار على الهوى.


• أثر الصيام في صفاء القلب:

القلب هو موطن الإيمان وإذا صلح القلب صلح الجسد كله.
ورمضان جاء ليُعيد للقلب نقاءه الأول
مع كل يوم صيام تُنزَع طبقة من القسوة
ومع كل لحظة جوع تُكسَر حدّة الغرور
ومع كل دعاء صادق يلين القلب بعد طول قسوة

إن الصيام الحقيقي يوقظ في الإنسان إحساسه بالآخرين؛ فيشعر بجوع الفقير ويستحي من نعم الله ويتعلّم الشكر من أعماقه لا من لسانه فقط ... وهنا يتحوّل الصيام من عبادة فردية إلى تجربة إنسانية عميقة.
القلب في رمضان يصبح أكثر حساسية للخير وأكثر نفورًا من الشر وأكثر شوقًا للصفاء .... وهذه هي أعظم ثمار الصيام!


• رمضان والقرآن… لقاء الأرواح:

رمضان ليس شهر الصيام فقط بل هو شهر القرآن.
فيه نزل النور وفيه بدأت الحكاية وفيه يجد القلب ضالته...

- القرآن في رمضان ليس كتابًا يُتلى بسرعة بل رسالة تُستقبَل بروح متعطّشة ... كل آية فيه خطاب خاص وكل كلمة فيه دواء وكل سورة فيه باب.
- حين يجلس الإنسان مع القرآن في رمضان يحدث شيء عميق في داخله تهدأ الضوضاء، وتخفّ وطأة الدنيا ويشعر أن الله يكلّمه مباشرة دون وسيط.
- القرآن في رمضان لا يُغيّر السلوك فقط بل يُعيد تشكيل الوعي، ويُصلح الداخل قبل الخارج ويزرع في القلب يقينًا لا تهزّه الأيام.


• الدعاء في رمضان… لغة القلوب الصادقة:

في رمضان، يصبح الدعاء أقرب
والدمعة أصدق
والقلب أكثر انكسارًا ...

الدعاء في رمضان ليس طلبًا فقط  بل هو اعتراف.
اعتراف بالحاجة
واعتراف بالضعف
واعتراف بأن لا ملجأ إلا الله ...

وفي هذا الانكسار يولد القرب.
فالله لا يردّ قلبًا أقبل عليه بصدق ولا يخيب روحًا رفعت يديها بثقة، ولا يغلق بابه في وجه من جاءه منكسِرًا.

رمضان ليس محطة عابرة بل تحوّل داخلي...
ومن لم يتغيّر قلبه في رمضان فاته الكثير ! .