في الجهة الغربية من مدينة بيت لحم، حيث تنحني التلال بهدوء وتنساب الوديان، تقبع قرية وادي فوكين ... قرية صغيرة في مساحتها عميقة في جذورها، عصيّة على النسيان
ليست وادي فوكين مجرد نقطة على خريطة ولا مجرد اسم يتردد في سجلات القرى الفلسطينية أو التقارير، بل هي ذاكرة حيّة ونص مفتوح كتبه الفلاحون بأيديهم وسقوه بعرقهم،
وادي فوكين ليست قرية عابرة في الجغرافيا الفلسطينية بل حالة إنسانية كاملة، تختصر حكاية الأرض الفلسطينية كلّها: الجمال المسلوب، وهدم المنازل ، والعودة المستحيلة التي تحققت سابقا ، وحصار المستوطنات الذي لا يزال قائمًا، والمقاومة الصامتة التي تتجسد في شجرة زيتون، أو عين ماء، أو فلاح يصرّ على الحراثة رغم كل شيء.
تتشابك التلال الخضراء مع السماء الزرقاء، تمتد أراضٍ زراعية خصبة تحمل عبق التاريخ وحنين الأرض لأولئك الذين عاشوا عليها منذ أجيال حيث يكسو ضوء الشمس برك المياه الصغيرة المتلألئة بين الزرع، ينعكس لون السماء على وجه الماء فتبدو الأرض وكأنها لوحة مائية حية تتنفس.
• وادٍ يشبه القصيدة:
تقع قرية وادي فوكين في حضن وادٍ أخضر ممتد تحيط به التلال من الجهات كافة وتفتح ذراعيها للشمس والريح والمطر... اسمها ليس اعتباطيًا فهي فعلًا وادٍ والوادي هنا ليس مجرد شكل جغرافي بل نمط حياة ومسار تاريخ، وعلاقة بين الإنسان والطبيعة.
تتميز القرية بتضاريسها المتدرجة، حيث تنحدر الأراضي على شكل مصاطب حجرية بُنيت عبر مئات السنين حجراً فوق حجر بجهد إنساني صبور يحترم الأرض ولا يقهرها. هذه المصاطب ليست فقط وسيلة للزراعة بل شهادة حضارية على فهم الفلاح الفلسطيني للبيئة، وقدرته على التكيّف معها دون تدميرها.
تنتشر في وادي فوكين عيون الماء الطبيعية كعين التينة وعين البلد وعيون وابار أخرى ... التي شكّلت عبر التاريخ شريان الحياة الأساسي للقرية، هذه الينابيع التي ما زال بعضها يتدفق حتى اليوم جعلت من الوادي جنّة زراعية حقيقية وموطنًا للخضار الموسمية وأشجار الزيتون، والتين، واللوز، والعنب، والرمان.
الماء هنا ليس موردًا فقط بل ذاكرة، كل عين ماء تحمل اسمًا وكل اسم يحمل قصة، وكل قصة تعود إلى فلاح أو عائلة أو حادثة عالقة في الذاكرة ...
• الزراعة: حين تكون الأرض أمًّا:
الزراعة في وادي فوكين ليست مهنة بل هوية ... الفلاح هنا لا “يعمل” في الأرض بل يعيش معها ويتقاسم الفصول ويصادق المواسم، ويحفظ مواعيد المطر كما يحفظ أسماء أبنائه.
تُعرف أراضي وادي فوكين بجودتها العالية وخصوبتها النادرة، بسبب طبيعة التربة وتوفر المياه، إضافة إلى الأساليب الزراعية التقليدية التي ما زال أهل القرية يحافظون عليها في زمن اجتاحت فيه الزراعة الصناعية والمواد الكيميائية مساحات واسعة من الريف الفلسطيني.
الزراعة هنا عضوية بالفطرة نظيفة بالضرورة ومتصالحة مع الأرض... البذور تُورث، لا تُشترى والمعرفة الزراعية تنتقل من الجد إلى الحفيد شفهيًا وعمليًا، دون كتب أو مختبرات وفي مواسم الحصاد يتحول الوادي إلى لوحة حيّة: خضرة تمتد، فلاحون ينحنون للأرض باحترام، نساء يجمعن المحصول، وأصوات حديث وضحك تختلط بزقزقة العصافير. كأن الأرض تكافئ من لم يخذلها.
• التهجير والعودة:
في منتصف يوليو عام 1949، حدث ما لم يكن أحد يتوقعه: اقتحم الجيش الإسرائيلي القرية وأجبر سكانها على ترك منازلهم وأراضيهم في مشهد من الصدمة والوجع ، كان التاريخ يحمل في طياته قراراً سياسياً يربط مصير الأرض بالبشر، فانتقلت القرية إلى المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية بموجب اتفاقية الهدنة مع الأردن، تاركةً خلفها أحلام الناس وحكاياتهم وأشجار الزيتون العتيقة التي رافقت حياتهم.
لم يكن تهجير وادي فوكين مجرد خروج من مكان بل فصل مؤلم عن ذاكرة كاملة: البيوت التي شُيّدت بالعرق والجهد، والحقول التي حرثوها وزرعوها، والينابيع التي كانت تشهد على لعب الأطفال وحنينهم إلى ماء الحياة ... وبالرغم من كل شيء، لم ينسَ أهلها أرضهم وظلت جذورهم تتشبث بالصخور والتلال، تنتظر لحظة العودة.
ومع حلول 31 أغسطس من نفس العام، جاء الضوء في نهاية النفق: لجنة الهدنة أصدرت قراراً يسمح للسكان بالعودة محاولة لإنصاف من فقدوا كل شيء لكن العودة لم تكن سهلة ففي السادس من سبتمبر 1949، تعرض الأهالي لطرد مجدد، لم يثنِ هذا الطرد الموجع الناس عن حقهم في البقاء وظلوا يخططون ويترقبون إلى أن جاء التعديل النهائي لخط الهدنة في أواخر عام 1949، فسمح لهم أخيراً بالعودة إلى قراهم، إلى منازلهم، إلى أراضيهم التي لطالما حملت ذكرى الأجداد وأمل الأجيال القادمة فسميت القرية بعنوان العودة ...
وها نحن نقف على تخوم وادي فوكين، نطل على الحقول التي حملت أحلام الأجداد، ونسمع همس الأشجار ... كل تل أخضر، وكل بركة ماء، وكل حقل في وادي فوكين يروي حكاية الصبر والمقاومة ويشهد على أن العودة ليست مجرد فعل مادي، بل هي انتصار للهوية وإعادة لحقوق المسلوبين وتجسيد للرغبة العميقة في أن يبقى الإنسان في حضن أرضه ... هذا الصمود وهذا الجمال يعلّماننا أن الحياة مهما تعرضت للتهجير والقهر تبقى نابضة وتقاوم مع كل شجرة ومع كل قطرة ماء، ومع كل حجر مزروع بالحب والجهد.
وادي فوكين ليست مجرد قرية على خريطة فلسطين؛ إنها رمز للثبات ومتنفس للذاكرة، ودرس حيّ في أن الأرض لا تنسى وأن الجذور مهما اغتُصبت ستعود لتزرع وتثمر من جديد إنه المكان الذي يجمع بين الماضي والحاضر، بين الحزن والفرح، بين الألم والأمل، ليظل مثالاً حيّاً على قدرة الإنسان على البقاء، وعلى قدرة الأرض على منح حياة جديدة لمن يعرف قيمتها ويصونها بحبه وجهده.
وفي النهاية، تبقى وادي فوكين شهادة حيّة على أن الجمال والصمود مترابطان وأن الأرض التي تُحب مهما ضاقت بها الأيام ستظل تنادي أهلها، وسيظل أهلها يجيبونها بالعمل، بالزرع، بالاحتفاظ بالذاكرة، وبالإصرار على أن يبقى التراب حيّاً كما كان منذ القدم، حاضناً لكل من حمل الأمل في قلبه، مهما كانت الظروف قاسية.