تحديثات الأخبار

فلطسن-مارينا بوست-

ليست الطفولة في فلسطين مرحلة عابرة من اللعب والبراءة، بل تجربة يومية قاسية تُشكَّل تحت وطأة الاحتلال والحصار والعنف البنيوي. يعيش الأطفال الفلسطينيون واقعًا استثنائيًا تُقيَّد فيه أبسط حقوقهم الإنسانية، من الحق في الأمان والتعليم، إلى حرية الحركة والتعبير، في انتهاك مستمر لما كفلته القوانين الدولية الخاصة بحماية الطفل.

يولد الطفل الفلسطيني في بيئة غير مستقرة، تحكمها المداهمات العسكرية، وإطلاق النار، والاعتقالات، وهدم المنازل. هذا الواقع يحوّل الخوف إلى جزء من الحياة اليومية، ويقوّض الإحساس الأساسي بالأمان، وهو حجر الأساس لنمو نفسي سليم. كثير من الأطفال يشهدون اقتحام بيوتهم ليلًا، أو يتعرضون للعنف اللفظي والجسدي، ما يترك آثارًا نفسية عميقة تمتد لسنوات

تُعد حرية الحركة من أكثر الحقوق انتهاكًا بحق الأطفال في فلسطين. فالحواجز العسكرية، والجدار الفاصل، وإغلاق الطرق، تحرم الأطفال من الوصول الآمن إلى مدارسهم، أو المستشفيات، أو حتى أماكن اللعب. وفي القدس والضفة الغربية، قد يستغرق الوصول إلى المدرسة ساعات بسبب التفتيش والإغلاقات، بينما يُحرم أطفال غزة من السفر كليًا بفعل الحصار.

التعليم تحت التهديد

رغم أن التعليم حق أساسي مكفول دوليًا، إلا أن الأطفال الفلسطينيين يواجهون عوائق جسيمة تحول دون انتظامهم الدراسي. مدارس تُقتحم، وأخرى تُغلق، وطلبة يتعرضون للاعتقال أو العنف في طريقهم إلى الصفوف. كما يؤدي هدم المنازل أو تهجير العائلات إلى انقطاع الأطفال عن تعليمهم، فضلًا عن الآثار النفسية التي تعيق قدرتهم على التركيز والتعلّم.

الاعتقال واستهداف القاصرين

من أخطر الانتهاكات التي تطال الطفولة الفلسطينية هو اعتقال الأطفال. يُحتجز قاصرون ويُخضعون لتحقيقات قاسية، أحيانًا دون حضور محامين أو أولياء أمور، في مخالفة صريحة للمعايير الدولية. تجربة الاعتقال تترك ندوبًا نفسية عميقة، وتؤثر في مستقبل الطفل الاجتماعي والتعليمي، وتحوّله من ضحية إلى شخص مثقل بالخوف والقلق

 

القانون الدولي والواقع الميداني

تنص اتفاقية حقوق الطفل، التي أقرتها الأمم المتحدة عام 1989، على ضرورة توفير حماية خاصة للأطفال في أوقات النزاع المسلح، وضمان حقوقهم الأساسية في الحياة، والأمان، والتعليم، والصحة، وعدم التعرض للعنف أو الاعتقال التعسفي. كما تُلزم الاتفاقية الدول الأطراف باتخاذ جميع التدابير الممكنة لحماية الأطفال من آثار الحروب والاحتلال، وتقديم الرعاية النفسية والاجتماعية لهم.

إلا أن الواقع الميداني في فلسطين يكشف فجوة عميقة بين هذه النصوص القانونية وما يجري فعليًا على الأرض. فالأطفال الفلسطينيون يواجهون يوميًا انتهاكات ممنهجة تشمل الاعتقال، والعنف، والحرمان من التعليم، وتقييد حرية الحركة، دون أن تترجم الالتزامات الدولية إلى إجراءات ردع حقيقية أو محاسبة قانونية فعالة.

ورغم صدور تقارير متكررة عن منظمات حقوقية دولية ومحلية توثق هذه الانتهاكات، فإن غياب آليات تنفيذ ملزمة، واستمرار الإفلات من العقاب، جعلا القانون الدولي عاجزًا عن توفير الحماية المطلوبة. وغالبًا ما تكتفي الجهات الدولية بالإدانة أو التعبير عن القلق، دون اتخاذ خطوات عملية توقف الانتهاكات أو تحاسب المسؤولين عنها.

هذا التناقض بين القانون المكتوب والواقع المعاش يفاقم معاناة الأطفال الفلسطينيين، ويحوّل حقوقهم من ضمانات قانونية إلى وعود مؤجلة. فبدل أن يكون القانون الدولي أداة لحماية الطفولة، بات في نظر كثيرين إطارًا نظريًا لا يملك القدرة على فرض نفسه في ظل موازين القوى السياسية.

إن استمرار هذا الواقع لا يهدد حاضر الأطفال الفلسطينيين فحسب، بل ينعكس على مستقبلهم النفسي والاجتماعي، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية ملحّة لإعادة الاعتبار لحقوق الطفل، وتحويل النصوص الدولية من شعارات إلى حماية فعلية على الأرض

إن الطفولة الفلسطينية تعيش تحت حصار مزدوج: حصار المكان وحصار الحقوق. فبين القيود العسكرية والانتهاكات اليومية، يُحرم الأطفال من حياة طبيعية ومن مستقبل آمن. إن حماية حريات الأطفال في فلسطين ليست مسألة إنسانية فحسب، بل مسؤولية قانونية وأخلاقية دولية تستدعي تحركًا عاجلًا يضع حدًا لانتهاك الطفولة، ويعيد للأطفال حقهم في الحياة والحرية والأمل.