بقلم ضياء دويات - القدس
في عالمٍ يتسارع فيه الخلاف، ويُختزل فيه الاختلاف أحيانًا إلى صراع، تبرز حاجةٌ عميقة لإعادة فهم معنى الاختلاف بوصفه طاقة بناء لا معول هدم. فالاختلاف، حين يُدار بوعي، لا يُضعف الفكرة بل يُكمّلها، ولا يُشتّت الهوية بل يُغنيها. ومن أرقى النماذج على ذلك: الاختلاف الفقهي في المذاهب الإسلامية الأربعة.
لم تكن المذاهب الفقهية الأربعة — الحنفي، المالكي، الشافعي، والحنبلي — مدارس متنازعة، بل كانت مسارات علمية متكاملة، انطلقت جميعها من مصدر واحد: القرآن الكريم والسنة النبوية. اختلفت أدوات الفهم، وتنوّعت مناهج الاستنباط، لكن الغاية بقيت واحدة: الوصول إلى الحكم الشرعي الذي يحقق مقاصد الدين ويخدم الإنسان.
هذا الاختلاف لم يكن وليد هوى أو تعصّب، بل ثمرة بيئات مختلفة، وأسئلة متجددة، وواقع متغيّر. فالإمام أبو حنيفة واجه مجتمعات حضارية معقّدة، فوسّع باب القياس والرأي المنضبط. والإمام مالك عاش في مدينة النبي ﷺ، فكان لعمل أهل المدينة وزنٌ معتبر. أما الشافعي فجمع بين المدرستين، واضعًا أسس علم أصول الفقه، بينما ركّز أحمد بن حنبل على النص والأثر في زمن اشتدّت فيه الفتن.
هنا يتجلّى الاختلاف المُكَمِّل:
اختلافٌ لا يلغي الآخر، بل يفتح مساحات أوسع للفهم، ويمنح الأمة مرونةً فقهية تحميها من الجمود. فبدل أن يكون الاختلاف سببًا للفرقة، صار عاملَ سَعةٍ ورحمة، كما عبّر العلماء بقولهم: “اختلافهم رحمة”.
في زمننا المعاصر، نحن أحوج ما نكون إلى استحضار هذا النموذج؛ أن نختلف دون أن نتخاصم، وأن نتنوّع دون أن نتنافى، وأن ندرك أن وحدة الفكرة لا تعني تطابق الزوايا، بل انسجامها.
الاختلاف المُكَمِّل ليس شعارًا، بل وعيٌ حضاري، يعلّمنا أن الحقيقة أوسع من رأي واحد، وأن قوة المجتمعات لا تكمن في التشابه التام، بل في التناغم الذكي بين الاختلافات.