موسم الحمضيات في فلسطين : رائحة البرتقال التي لا تغيب
بقلم منار مناصرة
حين يهبط الشتاء في فلسطين لا يأتي وحده ... بل تحمله رائحة البرتقال في طرقات المدن وفي الأسواق الشعبية، في البيوت التي تتكدّس فيها الصناديق الخشبية المليئة بثمار الشمس ... ليس البرتقال في فلسطين مجرد فاكهة شتوية إنه ذاكرة كاملة تنضج كل عام، حتى لو تغيّرت الجغرافيا وتبدّلت الوجوه.
من يذكر يافا، يذكر البرتقال. ومن يقول "البيارات"، كأنه يستحضر زمنًا كانت فيه الأرض تتنفس ذهبًا معلقًا على الأغصان...
يافا… حين كان البرتقال سفير البلاد:
في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تحوّل البرتقال اليافي إلى علامة تجارية عالمية، كانت الصناديق الخشبية تُختم باسم "Jaffa" وتُشحَن عبر الميناء إلى أوروبا حاملة معها صورة فلسطين الزراعية الخصبة... لم يكن البرتقال مجرد محصول اقتصادي؛ كان واجهة البلاد، ودليل ازدهارها الزراعي والتجاري.
كبرت البيارات حول يافا، وامتدّت أشجار الحمضيات على مدّ البصر وكانت العائلات تعيش من مواسمها، وتنتظر القطاف كما يُنتظر العيد : عمال، مزارعون، تجار، عمّال مرافئ، صنّاع صناديق خشبية… دورة اقتصادية كاملة كانت تدور حول الثمرة البرتقالية.
البيارة… أكثر من أرض مزروعة:
البيارة في الوجدان الفلسطيني ليست قطعة أرض محاطة بسور، بل فضاء عائلي واجتماعي... هناك، بين صفوف الأشجار المنتظمة كانت تُعقد الصفقات، وتُحاك الحكايات، وتُنسج العلاقات وظلّ الأشجار كان مدرسة أولى لأبناء الفلاحين، ومكانًا لتوارث الخبرة: متى تُروى الأرض، كيف يُعتنى بالغصن، وأيّ الثمار تُقطف أولًا.
كان موسم القطاف مشهدًا حيًّا: سلال معلّقة، أيدٍ تمتدّ بحذر حتى لا تُخدش القشرة الناعمة، وأصوات تتداخل بين العمل والغناء... البرتقالة لم تكن تُقطف بعشوائية؛ كان التعامل معها يحمل احترامًا لما تمثّله من تعب عام كامل.
وفي البيارات أيضًا، كانت تُختبر علاقة الإنسان بأرضه... فالأرض التي تعطي تحتاج إلى من يصبر عليها، والبرتقال الذي يلمع في الشتاء هو ثمرة شمسٍ طويلة ورعايةٍ دقيقة.
البرتقال كذاكرة لا تُقتلع:
لم يكن فقدان البيارات مجرد خسارة اقتصادية في محطات التاريخ القاسية، بل كان اقتلاعًا لجزء من الهوية الساحلية الفلسطينية، لذلك بقي البرتقال حاضرًا في الأغنية، وفي اللوحة، وفي السرد الشفهي، كرمز لفلسطين الساحل، لفلسطين الخصبة، لفلسطين التي كانت تصدّر عطرها إلى العالم.
كثير من العائلات التي هجّرت من مدن الساحل ما زالت تحتفظ بصورة البيارة في ذاكرتها الجمعية... يروون لأبنائهم عن صفوف الأشجار، عن صناديق الخشب المختومة، عن الميناء الذي كان يحمل ثمارهم بعيدًا، فالبرتقال تحوّل إلى حنين متجدد، وإلى استعارة لوطن كامل: حلو المذاق، ساطع اللون، لكنه محاط بالمرارة.
في الأسواق… استمرار الحكاية:
اليوم، حين تمشي في أسواق نابلس أو بيت لحم او الخليل في موسم الشتاء، ترى أكوام البرتقال والليمون والكلمنتينا ... قد لا تكون كلّها من بيارات الساحل القديمة، لكن الرائحة ذاتها ما زالت تعبق في الهواء.
تشتريه الأمّ لتصنع عصيرًا طازجًا، أو لتضع قشره على المدفأة فتملأ البيت عطرًا ، ويدخل البرتقال في الحلويات المنزلية، وفي مربى القشر، وفي وصفات الطب الشعبي لمقاومة البرد... هكذا ينتقل من الحقل إلى المائدة، ومن الاقتصاد إلى الاستخدامات اليومية.
موسم الحمضيات اليوم ما زال ركيزة اقتصادية لآلاف العائلات الزراعية في الضفة وغزة، رغم التحديات ... هو مصدر دخل، وفرصة عمل، ودليل على استمرار الفلاحة الفلسطينية رغم كل التحولات. ومع كل شتاء، تعود الشاحنات المحمّلة بالصناديق، كأنها تؤكد أن الأرض ما زالت قادرة على العطاء.
رائحة لا تغيب:
ربما يتغيّر شكل البيارات، وربما تضيق المساحات، لكن رائحة البرتقال الفلسطيني لا تغيب... هي رائحة تختلط بملح البحر في يافا، وبتراب الطرقات في القرى، وبذكريات البيوت القديمة.
البرتقال في فلسطين ليس مجرد ثمرة شتوية، بل فصل كامل من فصول الهوية ، هو اقتصاد حين نقرأه بلغة الأرقام، وهو حنين حين نقرأه بلغة القلب... بين القشرة البرتقالية اللامعة ولبّها الحلو، تختبئ حكاية شعب عرف كيف يحوّل الزراعة إلى كرامة، والموسم إلى معنى.
وفي كل مرة تُقشَّر فيها برتقالة فلسطينية، ينفتح معها شيء من الذاكرة… شيء يشبه الوطن حين كان يُقاس برائحة البيارات، لا بعدد الحدود.
البرتقال في الذاكرة الشعبية والأدب:
لم يغب البرتقال عن المخيال الشعبي الفلسطيني... حضر في الأغاني التي تغنّت بيافا وبحرها، وفي القصائد التي جعلت من البرتقال مرادفًا للدفء والخصب... لم يكن اختياره صدفة؛ فالثمرة التي تجمع بين الحلاوة والحموضة تشبه التجربة الفلسطينية ذاتها: فرحٌ ممزوج بالوجع، وعطاءٌ يجاوره الفقد.
وفي الحكايات الشفوية، كانت الأم تقول لابنها: “هاي من بيارتنا”، وكأن البرتقالة تحمل صكّ ملكية رمزيًا حتى بعد تغير الظروف، بقيت العبارة تُقال وكأن البيارة ما زالت هناك، تنتظر أصحابها.
فالبرتقال في الأدب الفلسطيني لم يكن خلفية طبيعية فقط، بل علامة مكان... يكفي أن تُذكر يافا حتى تتسلل الرائحة إلى النصّ وكأن اللغة نفسها تعرف أن البرتقال هو أقصر الطرق إلى الساحل.
من البيارة إلى السوق: دورة اقتصادٍ تقليدي:
اقتصاديًا، شكّل موسم الحمضيات عمودًا فقريًا لاقتصاد زراعي متكامل ، فكان المزارع ينتظر الشتاء ليجني ثمرة عامٍ من العناية ثم تبدأ سلسلة كاملة من الأنشطة:
القطاف، الفرز، التعبئة، النقل، البيع المحلي أو التصدير.
حتى الصناعات الصغيرة ارتبطت بالموسم:
• صناعة المربى
• تجفيف القشور
•استخدام الزيوت العطرية المستخلصة من القشر
• التجارة الشعبية في الأسواق الأسبوعية
بهذا المعنى، لم يكن البرتقال مجرد سلعة، بل كان شبكة علاقات اقتصادية واجتماعية تحرّك قرى ومدنًا بأكملها.
البرتقال كفعل بقاء:
في ظل كل التحولات، بقيت زراعة الحمضيات فعلًا من أفعال التمسك بالأرض... فالأرض المزروعة ليست أرضًا مهجورة، والشجرة المثمرة إعلانٌ صامت عن الحضور.
ليس من قبيل المصادفة أن يُشبَّه الفلسطيني أحيانًا بشجرة الحمضيات:
يتأقلم مع المناخ، يتحمل الرياح، يزهر بصمت، ويُثمر رغم القيود.
وكل موسم جديد هو رسالة بأن دورة الحياة لم تنكسر وأن الشتاء مهما طال، يحمل في نهايته ثمارًا لامعة، وأن الرائحة التي تعبق في الأزقة والأسواق ليست مجرد عطر فاكهة، بل شهادة على استمرار الحكاية.
حين تصبح الرائحة وطنًا:
بعض الأوطان تُرى، وبعضها يُشمّ.
وفلسطين، في موسم الحمضيات، تُشمّ قبل أن تُرى.
فرائحة البرتقال حين تُقشَّر في بيت فلسطيني ليست مجرد عبير عابر؛ إنها استدعاء لبحرٍ بعيد، وبيارةٍ قديمة، وجدٍّ كان يسير بين الأشجار مع طلوع الشمس... هي ذاكرة حسّية لا يمكن محوها بسهولة، لأنها تسكن الحواس لا الخرائط.
وهكذا، يظل موسم الحمضيات أكثر من دورة زراعية... إنه عودة سنوية إلى الأصل، إلى صورة البلاد كما كانت تُعرف: أرضًا تُثمر، وساحلًا يفوح بالعطر، وشعبًا يحوّل الزراعة إلى معنى، والبرتقال إلى هوية.
فالبرتقال الفلسطيني… ليس مجرد ثمرة.
إنه رائحة لا تغيب.