تحديثات الأخبار

بقلم هديل زيادة - بيت لحم

يُعد دير مار سابا، الواقع في برية القدس إلى الشرق من بلدة العبيدية بمحافظة بيت لحم، أحد أقدم وأهم الأديرة المسيحية في العالم، ومعلمًا دينيًا وتاريخياً استثنائياً يجسد عمق الحضور المسيحي في فلسطين، ويعكس تداخل الدين بالتاريخ والجغرافيا في واحدة من أكثر بقاع العالم قدسية وحساسية، فالدير، القائم منذ أكثر من خمسة عشر قرناً، لا يزال حتى اليوم شاهدًا حيياً على الاستمرارية الروحية والحضارية للأرض الفلسطينية.

موقع استراتيجي وتكوين جغرافي فريد

يقع دير مار سابا على منحدرات وادي قدرون، المعروف محلياً باسم وادي النار، على بعد نحو 15 كيلومتراً شرق مدينة بيت لحم، وتحديداً ضمن أراضي بلدة العبيدية، ويتميز موقعه الجغرافي بوعورته الشديدة وطبيعته الصحراوية القاسية، حيث تحيط به الجبال الصخرية العميقة والانحدارات الحادة، ما أضفى عليه طابع العزلة والتأمل الذي كان يبحث عنه الرهبان الأوائل.

وقد شكّل هذا الموقع، رغم قساوته، عنصر حماية طبيعياً للدير عبر العصور، وأسهم في الحفاظ على خصوصيته الروحية واستقلاليته، ليصبح مقصداً للرهبان والنساك الباحثين عن الزهد والتقشف والعبادة بعيدًا عن صخب المدن.

تأسيس الدير وبداياته التاريخية

تعود جذور دير مار سابا إلى العام 483 ميلادية، حين أسسه القديس سابا المتقدس، وهو راهب من أصول كابادوكية (تركيا الحالية)، جاء إلى فلسطين شاباً متأثراً بالحركة الرهبانية التي كانت تشهد ازدهاراً في الأراضي المقدسة آنذاك، وبعد سنوات من التنسك في كهوف برية القدس، استقر القديس سابا في هذا الموقع، حيث تجمع حوله عدد من الرهبان، ليؤسس ما أصبح لاحقاً أحد أهم المراكز الرهبانية في الشرق المسيحي.

وسرعان ما تحول الدير إلى مركز إشعاع ديني وفكري، وأسهم في تطوير النظام الرهباني المعروف باسم “القانون السابائي”، الذي أثر في الحياة الرهبانية البيزنطية لقرون طويلة.

مكانة دينية وروحية استثنائية

يحظى دير مار سابا بمكانة خاصة لدى الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية، ويُعد من أهم الأديرة التابعة لبطريركية الروم الأرثوذكس في القدس، وقد لعب الدير دوراً محورياً  في الدفاع عن العقيدة الأرثوذكسية خلال فترات تاريخية حساسة، خاصة في القرنين الخامس والسادس الميلاديين، حين كان مركزاً للجدل اللاهوتي والفكري.

كما ارتبط الدير بأسماء عدد كبير من القديسين والرهبان والعلماء اللاهوتيين، من أبرزهم القديس يوحنا الدمشقي، الذي عاش في الدير وكتب فيه عدداً من أهم مؤلفاته اللاهوتية والفلسفية، والتي ما زالت تُدرّس حتى اليوم في المعاهد الكنسية.

معمار فريد يعكس روح المكان

يمثل دير مار سابا نموذجاً معمارياً نادراً  يتناغم مع الطبيعة الجبلية المحيطة به، فقد بُني على شكل مجمع متدرج من الأبنية الحجرية المتلاصقة، تتخللها الكنائس الصغيرة، والكهوف، والأبراج، والأسوار العالية، في مشهد بصري يعكس عبقرية البناء في العصور القديمة.

ويضم الدير عدداً من الكنائس والمصليات، أبرزها كنيسة البشارة، وكنيسة القديس سابا، إضافة إلى مكتبة تاريخية تحتوي على مخطوطات نادرة باللغات اليونانية والسريانية والعربية، تُعد من الكنوز المعرفية المهمة في تاريخ المسيحية الشرقية.

الدير عبر العصور والتحولات السياسية 

مرّ دير مار سابا بمراحل تاريخية متعددة، تأثر خلالها بالتحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها فلسطين، من العهد البيزنطي، مروراً بالفتح الإسلامي، ثم الحقبة الصليبية، فالعهد العثماني، وصولاً إلى العصر الحديث.

وعلى الرغم من تعرضه لاعتداءات وتخريب في بعض الفترات، خاصة خلال الغزوات الفارسية والصراعات الصليبية، إلا أن الدير استطاع الصمود والحفاظ على وجوده ونشاطه الرهباني، بفضل مكانته الدينية ودعم المجتمعات المسيحية المحلية.

وخلال العهد الإسلامي، حظي الدير بحماية واحترام من قبل السلطات الإسلامية، وهو ما يعكس نموذجاً تاريخياً للتعايش الديني في فلسطين، حيث استمر الرهبان في ممارسة شعائرهم بحرية نسبية.

الدير في الذاكرة الفلسطينية

لا يقتصر دور دير مار سابا على كونه معلماً دينياً مسيحياً فحسب، بل يُعد جزءاً  لا يتجزأ من الذاكرة التاريخية والثقافية الفلسطينية، فهو شاهد على عمق الجذور المسيحية في الأرض الفلسطينية، وعلى التنوع الديني الذي ميّز المجتمع الفلسطيني عبر العصور.

وترتبط بلدة العبيدية ارتباطاً وثيقاً بالدير، حيث شكّل على مرّ التاريخ عنصراً من عناصر الهوية المحلية، ومصدراً  للفخر الثقافي والديني لأهالي المنطقة، رغم التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجهها البلدة اليوم.

تحديات معاصرة وواقع صعب

في ظل الواقع السياسي الراهن، يواجه دير مار سابا، شأنه شأن العديد من المواقع الدينية والتاريخية في فلسطين، تحديات كبيرة، أبرزها القيود المفروضة على الحركة والوصول، وتأثيرات الاستيطان، والإجراءات الإسرائيلية التي تحد من قدرة الفلسطينيين والزوار على الوصول الحر إلى الموقع.

كما يعاني الدير من تراجع أعداد الزوار والحجاج نتيجة الأوضاع الأمنية والسياسية، ما ينعكس سلباً على الجهود المبذولة للحفاظ على الموقع وترميمه.

أهمية الحماية والحفاظ على الإرث

يمثل دير مار سابا إرثًاً إنسانياً عالمياً، تتجاوز قيمته البعد الديني لتشمل الأبعاد التاريخية والثقافية والمعمارية، ومن هنا، تبرز أهمية تكثيف الجهود المحلية والدولية لحماية هذا الموقع الفريد، وضمان استمراريته للأجيال القادمة.

ويؤكد مختصون في شؤون التراث أن الحفاظ على الدير يتطلب دعماً مؤسسياً، وتعاوناً بين الجهات الكنسية والرسمية، إضافة إلى إدراجه بشكل أوسع ضمن برامج السياحة الدينية والثقافية، بما يساهم في تعزيز صموده وتسليط الضوء على أهميته.

يبقى دير مار سابا، القابع في صمت برية العبيدية شرق بيت لحم، شاهداً خالداً على تاريخ طويل من الإيمان والصمود، ورمزاً حياً للتعددية الدينية والحضارية التي ميّزت فلسطين عبر العصور، وفي زمن تتعرض فيه المعالم التاريخية للتهديد، يظل هذا الدير رسالة مفتوحة للعالم عن قيمة الأرض المقدسة، وضرورة حماية إرثها الإنساني من الاندثار.والآخرة.