لماذا نتأخر في فهم أقدارنا؟ رحلة الإنسان بين الحيرة واليقين
هناك لحظات في حياة الإنسان يقف فيها حائرًا أمام ما يحدث له كأن القدر يسير عكس اتجاه قلبه يدعو بشيء فيأتيه غيره، يخطط لطريق فيُفتح له طريق مختلف، يحب أمرًا، فيُصرف عنه، يهرب من شيء فيجده في انتظاره... في تلك اللحظات يتولد السؤال الصامت: لماذا؟ لماذا الآن؟ ولماذا أنا؟ ولماذا بهذه الطريقة؟
هذا السؤال ليس ضعفًا في الإيمان بل هو تعبير عن طبيعة بشرية تبحث عن المعنى... الإنسان لا يحتمل العشوائية لكنه غالبًا يريد أن يفهم فورًا، أن يرى الصورة كاملة وهو لا يزال داخلها، أن يعرف النهاية قبل أن تنضج الأحداث... وهنا يبدأ التوتر بين استعجال الإنسان وحكمة القدر.
• بين الرغبة والتدبير:
نحن نرغب، والله يدبر.
نحن نرى جزءًا صغيرًا من المشهد، وهو يرى المشهد كله... لكن المشكلة أننا نتعامل مع رغباتنا وكأنها الحقيقة المطلقة، وكأن الخير لا يكون إلا فيما اخترناه نحن.
عندما لا تتحقق رغبة معينة، نشعر وكأن شيئًا سُلب منا ... نحزن، نغضب، نرتبك، وربما نظن أننا خُذلنا لكن بعد سنوات حين ننظر إلى الخلف نكتشف أن ما اعتبرناه خسارة كان حماية، وأن الباب الذي أُغلق في وجوهنا كان يمنعنا من طريق لم نكن نحتمل نتائجه.
التأخر في الفهم ليس عيبًا في القدر، بل جزء من التربية الإيمانية، فلو كُشف لنا كل شيء منذ البداية، لما تعلمنا الثقة، ولا الصبر، ولا معنى التسليم.
• حكمة لا تظهر في وقتها:
الحكمة الإلهية لا تُقدم نفسها دائمًا في اللحظة نفسها التي يقع فيها الحدث أحيانًا تأتي متأخرة، بعد أن يهدأ الألم وبعد أن تنضج التجربة في داخلنا ، يشبه الأمر بذرة تُزرع في أرض مظلمة لا نرى منها شيئًا في البداية لكن تحت السطح هناك عمل صامت يجري.
كثير من الناس لم يفهموا أقدارهم إلا بعد أن تغيروا هم أنفسهم ، لأن الفهم يحتاج إلى نضج، والنضج يحتاج إلى مرور الزمن ما يبدو ظلمًا في لحظة معينة قد يتضح لاحقًا أنه كان توجيهًا، وما نظنه انكسارًا قد يكون إعادة تشكيل...نحن لا نتأخر في فهم أقدارنا لأن الحكمة غائبة، بل لأن قلوبنا لم تكن مستعدة لرؤيتها بعد.
• الألم كجزء من البناء:
لا أحد يحب الألم، ولا أحد يتمناه... لكن الألم في التجربة الإنسانية ليس دائمًا عقوبة، بل قد يكون أداة بناء، حين يُحرم الإنسان من شيء تعلّق به، يكتشف لاحقًا أنه تعلّق بما لا يدوم وحين يخسر علاقة ظنها نهاية العالم، قد يجد نفسه بعدها أقوى وأوعى وأكثر توازنًا... الألم يهزنا، لكنه أيضًا يوقظنا ويكشف نقاط ضعفنا، ويجبرنا على مواجهة أنفسنا بصدق... في لحظة الوجع لا نفكر في الدروس بل في النجاة، لكن بعد أن تمر العاصفة، نبدأ برؤية التغير الذي حدث فينا... وهنا نفهم أن القدر لم يكن ضدنا، بل كان يعمل فينا.
• استعجال الإنسان وصبر السماء:
الإنسان بطبعه مستعجل، يريد النتائج الآن، والوضوح الآن، والفرج الآن، لا يحتمل الانتظار الطويل، ولا الغموض، ولا الطرق الملتوية لكن مسار الحياة لا يسير دائمًا بخط مستقيم.
هناك أقدار تحتاج وقتًا حتى تنكشف، وتجارب لا تؤتي ثمارها إلا بعد سنوات وقد يُؤخر عنك أمر تحبه، لأنك لو حصلت عليه في وقت مبكر لأفسدك أو أرهقك أو شغلك عن ما هو أهم.
التأخير في بعض الأحيان رحمة والمنع أحيانًا عطاء والضياع المؤقت قد يكون طريقًا إلى وضوح دائم...لكننا لا نرى ذلك إلا بعد أن نخرج من اللحظة، وننظر إليها من مسافة أوسع.
• الثقة حين يغيب التفسير:
أصعب اختبار إيماني ليس الألم ذاته بل غياب التفسير حين لا تفهم لماذا حدث ما حدث ولا ترى سببًا واضحًا لما تمر به، يكون الاعتماد على الثقة هو الخيار الوحيد
الثقة هنا ليست استسلامًا سلبيًا، بل يقين داخلي بأن وراء المشهد الظاهر مشهدًا آخر أكثر اتساعًا... أن ما يبدو فوضى في حياتك قد يكون ترتيبًا دقيقًا لا تدرك تفاصيله
والإيمان الحقيقي لا يعني أنك لن تحتار، بل يعني أنك في قلب الحيرة تختار ألا تنقطع عن الرجاء.
• عندما يتغير فهمنا للخير:
كثيرًا ما نختزل الخير فيما يريحنا ونربطه بالنجاح السريع والعلاقات المستقرة والظروف الميسرة، لكن الخير أوسع من ذلك بكثير... قد يكون الخير في تجربة صعبة تُخرج منك نسخة أفضل من نفسك وقد يكون في خسارة تدفعك لإعادة ترتيب أولوياتك وقد يكون في فشل يحميك من غرور مبكر.
حين يتغير تعريفنا للخير، يتغير تعاملنا مع الأقدار ونصبح أقل اعتراضًا وأكثر بحثًا عن المعنى ونسأل: ماذا يريد الله أن يعلمني من هذه التجربة؟ بدل أن نسأل فقط: لماذا حدث هذا لي؟ وهذا التحول في السؤال هو بداية الفهم.
• الذاكرة التي تعيد ترتيب الأحداث:
من رحمة الله بالإنسان أنه لا يرى الصورة كاملة دفعة واحدة بل يكتشفها تدريجيًا وحين ننظر إلى حياتنا الماضية نرى خيوطًا كانت تبدو متفرقة لكنها في الحقيقة كانت مترابطة... حدث معين قاد إلى قرار، والقرار قاد إلى شخص، والشخص غيّر مسارًا كاملًا ولو حُرمنا من ذلك الحدث الأول، لما وصلنا إلى ما نحن عليه الآن.
الذاكرة لا تعيد فقط سرد الأحداث، بل تعيد تفسيرها، ومع كل مرحلة جديدة في حياتنا، نفهم ماضينا بطريقة مختلفة وهذا الفهم المتجدد هو جزء من نضجنا الإيماني.
• الرضا ليس استسلامًا:
الرضا لا يعني أن الإنسان لا يحزن، ولا يعني أنه لا يتألم، ولا يعني أنه لا يتمنى واقعًا أفضل، الرضا هو أن يعيش مشاعره كاملة، لكنه لا يقطع صلته بالثقة ... أن يبكي، لكنه لا ييأس ، فالتأخر في فهم القدر لا يناقض الرضا، بل قد يكون مدخلًا إليه لأن الرضا أحيانًا يسبق الفهم، ثم يأتي الفهم ليؤكد أن الرضا كان في مكانه.
• الأقدار التي تصنعنا:
هناك أقدار لا تأتي لتأخذ منا شيئًا، بل لتصنعنا، لتوسع قلوبنا، لتعمّق وعينا، لتكسر غرورنا، لتقربنا من الله أكثر... ولو عشنا حياة سهلة بلا تحديات، ربما بقينا سطحيين في رؤيتنا، محدودين في تجربتنا، التجارب الصعبة تفتح فينا مساحات لم نكن نعرفها، تزرع فينا تعاطفًا مع الآخرين، وتمنحنا فهمًا أعمق للحياة، وتجعلنا أكثر تواضعًا وأقل حكمًا على الناس.
• ما بين الدعاء والانتظار:
الدعاء جزء من الإيمان، والانتظار جزء منه أيضًا... قد يدعو الإنسان بشيء سنوات، ولا يرى الإجابة كما تخيلها، لكن الإجابة قد تأتي بصورة مختلفة أو في وقت مختلف، أو بطريقة لم تخطر له على بال.
فالانتظار ليس فراغًا، بل مرحلة إعداد ... أحيانًا يُعدّ الله لنا شيئًا، وفي الوقت نفسه يُعدّنا نحن لذلك الشيء فلو جاء قبل أن نكون مستعدين له لما عرفنا كيف نحمله أو نحافظ عليه.
وهكذا يتضح أن التأخير ليس دائمًا حرمانًا، بل تهيئة.
• حين تنكشف الغاية :
في نهاية المطاف قد لا نفهم كل شيء في حياتنا وقد تبقى بعض الأسئلة بلا إجابة واضحة، لكن يكفينا أن ندرك أن الحياة ليست عبثًا وأن ما يمر بنا ليس خارج دائرة الحكمة
نتأخر في فهم أقدارنا لأننا ننمو ببطء، ولأن أرواحنا تحتاج وقتًا لتستوعب المعاني العميقة... ومع كل مرحلة جديدة، تنكشف طبقة جديدة من الفهم.
وعندما ننظر إلى الخلف بعد سنوات، قد نبتسم لذكرى ألمٍ بكينا بسببه طويلًا، لأننا أدركنا أخيرًا أنه كان بابًا لخير لم نكن نتخيله.
هناك، في تلك اللحظة الهادئة من الإدراك، نفهم أن القدر لم يكن يؤذينا، بل كان يقودنا
وأن التأخير في الفهم… كان جزءًا من الرحمة.